اليقظة الذهنية (Mindfulness): تطوير القدرة على الانتباه الداخلي
اليقظة الذهنية، أو ما يُعرف باللغة العربية باسم "الوعي الكامل"، هي ممارسة تهدف إلى تنمية الإدراك للحظة الحالية من خلال تركيز الانتباه بشكل ثابت، يقظ وودي. يشمل هذا التدريب توجيهات تدريجية، حيث يتم توجيه التركيز أولاً إلى نقاط ارتكاز جسدية، مثل التنفس والإحساسات الجسدية، ومن ثم تتوسع دائرة الوعي لتشمل المشاعر والأفكار التي تنشأ بشكل تلقائي.
إن الممارسة المستمرة على مدار الوقت، المصحوبة بإرشاد مناسب، تساعد على تطوير القدرة على مراقبة التجارب الداخلية – مثل الأحاسيس والمشاعر والأفكار – من منظور نفسي متوازن، دون الانغماس فيها أو تجنبها. وبهذه الطريقة، يتم تحقيق حالة داخلية مستقرة تُمكّن من التعامل بشكل أفضل مع التجارب غير السارة، وتقلل من ردود الفعل التلقائية للمؤثرات الخارجية. يمكن أن تصبح اليقظة الذهنية عادة يومية تساعد في اتخاذ قرارات واعية في الأفعال وردود الفعل، حتى في المواقف الاجتماعية المعقدة.
تأثير ممارسة اليقظة الذهنية على النفس
تؤثر ممارسة اليقظة الذهنية بشكل إيجابي على الرفاهية النفسية، وتساعد في تطوير مهارات عاطفية مهمة:
- إيقاف ردود الفعل التلقائية: يتيح التدريب اختيارًا واعيًا بدلاً من الاستجابات الاندفاعية التي قد تؤدي إلى تجارب غير مرغوبة.
- مسافة نفسية متوازنة من التجربة: القدرة على ملاحظة الأفكار والمشاعر من منظور متزن، دون إنكارها أو قمعها.
- تغيير العلاقة مع الأفكار والمشاعر والإحساسات الجسدية:تنمية الوعي بحركة الأفكار والمشاعر والإحساسات الجسدية، مما يسمح بالتعامل معها بثبات وودّية. الأفكار تتحرك وفقًا لإيقاعها الخاص، والإحساسات الجسدية تتغير، والمشاعر تأتي كموجة. قد تستمر المشاعر غير المريحة في الظهور، لكن الممارسة تعلم كيفية استقبالها بمساحة من القبول والثبات، مما يسهل التعامل معها بصورة أفضل.
- خلق مساحة داخلية مستقرة: يساعد التدريب في إيجاد مسافة نفسية من التجربة، مما يتيح الشعور بالوجود الداخلي المستقر حتى عند مواجهة تجارب صعبة أو مضطربة.
- فهم الإنسانية المشتركة: تتيح الممارسة إدراك أن التجارب التي مررت بها في حياتك هي جزء من التجربة البشرية المشتركة بين جميع الناس. هذا الفهم يعزز القدرة على التفاعل مع الآخرين بانفتاح وفضول ويقظة.
- تحسين العلاقات بين الأفراد: أفاد الممارسون بأن التدريب يزيد من التعاطف، ويساعد في التواصل الواعي والشامل مع الآخرين. تتطلب هذه التأثيرات ممارسة مستمرة وإرشادًا محترفًا لمدة لا تقل عن عدة أشهر.
اليقظة الذهنية – لتحسين الشعور في حالات التوتر النفسي
تساهم ممارسة اليقظة الذهنية في تحسين الشعور أثناء حالات التوتر النفسي من خلال الطرق التالية:
-
توجيه الانتباه إلى الحاضر
يساعد التركيز على إحساسات الجسم والتنفس في تقليل الانشغال بالأفكار المزعجة حول الماضي أو المستقبل، وهي أفكار تميز حالات التوتر.
-
التقبّل دون إصدار أحكام للتجارب
تعلم الممارسة كيفية استقبال التجارب دون إصدار أحكام أو مقاومة، حتى عندما تكون غير مريحة. هذا لا يعني الاستسلام للوضع كما هو، بل تطوير القدرة على التعامل مع التحديات بطرق أكثر إبداعًا.
-
خلق شعور بـ"مكان آمن" داخلي
الممارسة المستمرة والالتزام بها يساعدان في بناء شعور بالاستقرار الداخلي، مما يسهل التعامل مع الظروف الصعبة. بمرور الوقت، يتولد شعور بوجود مكان داخلي آمن يمكن الاعتماد عليه، حتى في الأوقات العصيبة أو المتوترة.
الخطوات الأولى في ممارسة اليقظة الذهنية
للبدء في ممارسة اليقظة الذهنية، يُفضل الاستعانة بمرشد متمرس. كما يمكن الاستفادة من إرشادات مسجلة أو الالتحاق بدورة تدريبية في اليقظة الذهنية. لدى وزارة الصحة دورتان مجانيتان على منصة Campus IL يمكن مشاهدتهما عبر الإنترنت:
تشمل الممارسة الفعلية الجلوس بثبات على كرسي أو على الأرض بوضعية مستقيمة لكن مريحة، ثم توجيه الانتباه إلى إحساسات الجسد والتنفس. في كل مرة ينجرف الانتباه بعيدًا عن هذه الإحساسات نحو أفكار أو مشاعر مختلفة، من المهم التدرب على إعادة الانتباه إلى نقطة التركيز، أي إحساسات الجسد والتنفس، بحزم ولكن بلطف.
كما تشمل الممارسة أيضًا تدريب القدرة على توسيع نطاق الانتباه ليشمل الجسم بأكمله. يمكن القيام بذلك من خلال تخيل أن الجسم بالكامل يتنفس إلى الداخل والخارج، أو عبر تصور قلم خيالي نرسم به حدود الجسم، ثم نأخذ شهيقًا وزفيرًا بوعي. أي، التمرن باسترخاء، الانفتاح و"الهبوط" إلى الإحساسات الجسدية أثناء الجلوس. مع مرور الوقت، تتضمن التوجيهات أيضًا التأمل في المشاعر والأفكار بطريقة تبرز طبيعتها المتغيرة، "كالموجة" – بحيث يتم تعلم كيفية التعامل معها باستقرار، وبنهج يتسم بالقبول والود تجاه كل ما يظهر. للحصول على تعليمات مفصلة، يمكن الاطلاع على التمارين المسجلة من الدورات التدريبية على منصة Campus IL.
لمن تناسب ممارسة اليقظة الذهنية؟
الإجابة عن سؤال ما إذا كان بإمكان الجميع ممارسة اليقظة الذهنية ليست قاطعة. فمن ناحية، تظهر العديد من الدراسات أن هذه الممارسة مفيدة لمختلف الفئات، بما في ذلك الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية أو جسدية معقدة، مثل الاكتئاب، القلق، الألم المزمن، وغيرها. ومن ناحية أخرى، بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أعراض نفسية حادة أو الذين مروا بتجارب صادمة، يجب أن تكون الممارسة مخصصة لهم وأن تتم بإشراف وتوجيه مهني مناسب.
اليقظة الذهنية للأطفال
يمكن أن تكون ممارسة اليقظة الذهنية فعالة جدًا للأطفال، خاصةً عند تقديمها من خلال ألعاب وتوجيهات مخصصة تناسب أعمارهم. أظهرت الدراسات حول البرامج التعليمية التي تدمج اليقظة الذهنية، التعاطف، والتعلم الاجتماعي والعاطفي تحسنًا في أجواء المدرسة، زيادة في القدرة على التركيز والانتباه، تعزيز العلاقة مع المعلمين وتقليل الصور النمطية تجاه الآخرين. للوالدين والمربين المهتمين بالتعرف على هذا المجال، يُنصح بالاطلاع على برنامج "بعينين طيبتين – فن الدعم الداخلي" التابع لوزارة الصحة، والذي يوفر العديد من التمارين، بالإضافة إلى قراءة الأبحاث المتوفرة على موقع المركز للتعليم الواعي والمهتم.
من المخول بإرشاد التأمل الواعي (Mindfulness)
يتم تقديم دورات تدريبية لإرشاد التأمل الواعي للجمهور العام للأشخاص ذوي الخبرة الكبيرة في الممارسة، ولكن لا يوجد شرط لخلفية علاجية ليصبح الشخص مرشدًا في التأمل الواعي لعامة الناس.
أما التدريب على إرشاد التأمل الواعي للأشخاص الذين لديهم خلفية من الأعراض النفسية، فيتم تقديمه لأصحاب الخلفية العلاجية في مجالات الطب النفسي، علم النفس، العمل الاجتماعي والعلاج بالفنون.
يتم تدريس هذه الدورات في مدارس العلاج النفسي القائمة على التأمل الواعي، أو ضمن برامج - MBCT العلاج المعرفي القائم على التأمل الواعي. حاليًا، يتم تقديم دورات في التأمل الواعي في بعض أقسام علم النفس العيادي في الجامعات، مما يعني أن بعض الأخصائيين النفسيين السريريين في إسرائيل لديهم معرفة بالممارسة، ولو بشكل مبدئي. إذا كان لديك شك أو كنت ترغب في معرفة ما إذا كان مرشد التأمل الواعي لديه التدريب المناسب، فمن المهم أن تسأل المرشد مباشرة عن خبرته في نوع الإرشاد المناسب لحالتك، ولا تتردد في طلب رؤية شهادة إتمام برنامج التدريب على الإرشاد.
.
العلم وراء ممارسة التأمل الواعي (Mindfulness)
تجاربك وممارساتك تشكّل دماغك، والعكس صحيح، ولا يمكن الفصل بينهما. هذا الفهم يعزز الإدراك بأن التغيرات الناتجة عن ممارسة التأمل الواعي حقيقية ولها تأثير كبير على حياتك. أثناء ممارسة التأمل الواعي، تحدث عدة تغييرات في أنماط نشاط الدماغ.
هناك عدة آليات فسيولوجية تفسر التأثير الإيجابي لممارسة التأمل الواعي:
- تغيرات في النشاط الكهربائي والكيميائي للدماغ: تؤثر التغيرات في موجات الدماغ والناقلات العصبية على الحالة المزاجية، الانتباه، الذاكرة، والأداء المعرفي.
- المرونة العصبية (لدونة الدماغ): تساعد الممارسة في إعادة تشكيل الدماغ، مع تحسينات في المناطق المرتبطة بالانتباه، التنظيم العاطفي، الوعي الذاتي، والوظائف الإدراكية الأخرى.
- تقليل نشاط "شبكة الوضع الافتراضي" في الدماغ: هذه الشبكة نشطة عندما يكون الدماغ في وضع "الراحة"، مما يؤدي إلى شرود الذهن. تعمل ممارسة التأمل الواعي على تقليل نشاط هذه الشبكة، سواء أثناء الممارسة أو في أوقات الراحة، مما يقلل من الروابط بين المناطق المسؤولة عن المعالجة الذاتية والتقييم العاطفي. هذا الانخفاض في النشاط يعزز قدرتك على التواجد في اللحظة الحالية ويقلل من شرود الذهن.
- تحسين التنظيم العاطفي: التغيرات في المناطق الدماغية المسؤولة عن التنظيم العاطفي تعزز القدرة على التعامل مع المشاعر السلبية وحالات التوتر.
تحسين وظيفة الجهاز المناعي: تُظهر الأبحاث أن ممارسة التأمل الواعي تؤثر على نشاط الجهاز المناعي، مما يعزز فعاليته في مكافحة بعض الأمراض. - تحسين قدرات الانتباه: تؤدي الممارسة إلى تحسين الوظائف المختلفة للانتباه، والتي تدعمها شبكات عصبية متعددة في الدماغ.
- تعامل أفضل مع الألم: التغيرات التشريحية والوظيفية في مناطق الدماغ المسؤولة عن التقييم المعرفي لمستويات الألم تعزز القدرة على التكيف مع الألم والتعامل معه بشكل أكثر فعالية.
أبحاث حول التأمل الواعي (Mindfulness)
خلال 30 سنة الماضية، أُجريت العديد من الدراسات حول التأمل الواعي، والتي أظهرت فوائد كبيرة لمختلف الفئات. من بين النتائج، وُجد أن هذه الممارسة تساعد الرجال والنساء الذين يواجهون القلق، الاكتئاب، الألم المزمن واضطرابات الانتباه والتركيز، بل ويمكن أن تقدم دعماً نفسياً للأشخاص الذين يعانون من أمراض تهدد الحياة. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الأبحاث أن التأمل الواعي يحسّن جودة الحياة والرفاهية النفسية لدى عموم السكان، يعزز العلاقات الاجتماعية، يزيد من المشاعر الإيجابية، التعاطف والقدرات التعلمية والذاكرة.