تعامل الأسرة مع الاضطراب النفسي
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يُعاني واحد من كل أربعة أشخاص من اضطراب نفسي خلال حياته. لا يقتصر هذا الاضطراب على الشخص نفسه، بل يؤثر أيضًا على المقربين منه - أفراد الأسرة والأحباء، الذين يُشكلون حلقة دعم مهمة له. هذه الدائرة الضيقة التي تشمل شركاء الحياة، الأهل، الأبناء، الإخوة والأصدقاء المقربين، تواجه أيضًا العديد من الصعوبات العاطفية ، الوظيفية، الاجتماعية والاقتصادية.
إذا كان أحد أحبائك يعاني من صعوبات نفسية، فمن المهم أن تتذكر أنك لست وحدك، وأن هناك من يهتم لأمرك. معاناتك معقدة، والعلاج ليس بالأمر السهل، وله عواقب من المهم التحدث عنها والاعتراف بها. أنت أيضًا تستحق الدعم.
تأثير الاضطراب النفسي على أفراد الأسرة والأصدقاء
تشير الدراسات إلى أن أفراد الأسرة أو الأصدقاء المقربين هم عامل أساسي في عملية التعافي وتحسين جودة حياة الشخص الذي يعاني من اضطراب نفسي. إضافةً إلى ذلك، من المهم إدراك أن هذا الاضطراب لا يؤثر فقط على الأشخاص الذين يتعاملون معه مباشرةً، بل يؤثر أيضًا على الأسرة بأكملها والمحيط الاجتماعي القريب.
فيما يلي بعض التحديات الشائعة:
من المهم التأكيد
من المهم التأكيد
على أنه على الرغم من أهمية تلقي الدعم من الدائرة المقربة، إلا أن المسؤولية الأساسية عن العلاج تقع على عاتق أخصائيي الصحة النفسية. تُعدّ العائلة والأصدقاء المقربون نظام دعم مهم، لكنهم ليسوا بديلًا للعلاج المهني.
من المهم أيضًا أن تعتني بنفسك
من أجل دعم شخص عزيز يعاني من صعوبات نفسية، من المهم أن تعتني بنفسك أيضًا. فبدون موارد داخلية، يصعب دعم من يحتاج إليك. يشبه هذا تعليمات الطوارئ على متن الطائرة، حيث يُطلب من الوالدين وضع قناع أكسجين على وجوههم، من ثم وضع القناع لأطفالهم. بمعنى آخر، للتعامل مع حالة طوارئ حادة مع شخص عزيز عليك، من المهم أولًا الاهتمام بسلامتك ورفاهيتك.
الهدف هو الوصول إلى حالةٍ تكتسب فيها المعرفة، الأدوات والمهارات اللازمة لدعم أحد أحبائك، مع القدرة في الوقت نفسه على تعزيز قوة الأسرة وقدرتها على الصمود، مع إدراك أن هذه العملية في معظم الحالات تتطلب وقتًا. الفكرة هي تحديد إطار عمل مُسبق تُحدد فيه القدرات، الحدود والأدوار، إلى جانب توفير مساحة للتعاطف والتنفس، تلبية الاحتياجات وتحقيق الأحلام.
علامات التآكل التي من المهم الانتباه إليها:
- إرهاق متواصل.
- صعوبات في التركيز أو النوم.
- تغييرات في الشهية.
- إهمال الذات.
- أعراض جسدية، كالصداع أو آلام الظهر المتكررة.
- فقدان الاهتمام بالأمور التي كانت ممتعة بالنسبة لك في الماضي.
- الشعور باليأس أو فقدان الأمل.
- أفكار بالغضب أو الإحباط تجاه الشخص الذي يعاني من الاضطراب النفسي.
إذا ظهرت عليك هذه العلامات، فمن المفيد محاولة القيام ببعض الخطوات:
من الجدير بالذكر
من الجدير بالذكر
بالذكر أن قدرتنا على مساعدة الآخرين تبدأ بالعناية بأنفسنا. الاهتمام بالذات ليس أنانية، بل على العكس تمامًا، فهو الأساس الضروري للمساعدة الحقيقية.
التواصل السليم
عندما يعاني شخص عزيز عليك من اضطراب نفسي، فإن إحدى أهم المهام لكلا الطرفين هي تعلم كيفية إنشاء وتعزيز التواصل بينكما، بحيث يمكنه أن يعزز العلاقة ويصبح أداة مركزية في عملية التعافي.
من الجدير بالذكر أن التواصل الجيد مهارة قابلة للتطوير والتحسين. يتطلب الأمر الممارسة، الصبر والتعاطف - حتى مع نفسك.
بعض التوصيات التي يمكن أن تساعد في التواصل بين الأشخاص وتعزيز العلاقات:
- الإصغاء دون إصدار أحكام: هذه هي نقطة البداية. عندما يشاركك شخص عزيز عليك مشاعره أو تجاربه، حاول الاستماع بدافع الفضول الصادق، وليس رغبةً في التصحيح أو النصح. تجنب عبارات مثل "فكّر بإيجابية" أو "الأمر في رأسك فحسب". بدلًا من ذلك، حاول إثبات صحة ما قيل - أي كرّر ما قاله بكلماتك الخاصة مع إضافة عبارة متعاطفة، على سبيل المثال: إذا قال الشخص: "لقد سئمت من تناول الدواء يوميًا"، يمكنك الرد: "سمعت أنه من الصعب عليك تناول الدواء يوميًا، هل يمكنك شرح ذلك لي أكثر؟" سينقل هذا الفعل للشخص الذي أمامك رسالة إصغاء وتعاطف.
- تحديد التفسيرات والتحريفات: هذه مهارة مهمة أخرى. عندما يشعر الشخص بالخوف أو القلق، قد يُفسر السلوكيات أو الأمور بطريقة متحيزة. على سبيل المثال، إذا انعزل شريكك في غرفة، فقد تفكر: "لم يعد يحبني"، بدلًا من أن تفهم أنه يحتاج إلى مساحة للتعامل مع محنته. من الأفضل أن تسأله مباشرةً بدلًا من التخمين: "كيف تشعر الآن؟" أو "ماذا تريد مني؟".
- رؤية الشخص بدون اضطرابه: من المهم تجنب التعميمات مثل "من يعانون من اضطرابات نفسية دائمًا..." أو التصنيفات التي تُعرّف الشخص من خلال اضطرابه فقط. الشخص الذي تحبه لا يزال هنا – بأحلامه، مشاعره وخصائصه الفريدة. من المهم محاولة اكتشاف الجوانب الصحية والقوية فيه وتقويتها، حتى في اللحظات أو الفترات المعقدة التي لا يكون فيها ذلك سهلاً.
- الحفاظ على حدود سليمة: يُمكّن من بناء علاقات صحية. عملية الشفاء والوصول إلى التعافي تقع على عاتق الشخص نفسه، بمساعدة الفريق المتخصص، كجزء من العملية العلاجية. دورك هو أن تكون حاضرًا، داعمًا ومحبًا، وليس أن تُنقذ. إن وهم الإنقاذ - فكرة أنك قادر على "إصلاح" الوضع - ليس فقط غير مجدٍ، بل قد يؤدي أيضًا إلى الإرهاق وخيبة الأمل لجميع الأطراف.
- فهم القيود والتعقيدات: يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية في الاضطرابات النفسية. فعلى عكس الضرر الجسدي الظاهر للعين، لا يتضح دائمًا في حالة الاضطراب النفسي مدى سيطرة الشخص على ما يحدث له وما هو خارج عن سيطرته. يُنصح بمحاولة التحقق مع الشخص الذي يُواجه هذه الحالة من قدراته الحالية، واستخدام هذه القدرات لبناء تنسيق تدريجي للتوقعات لبقية العملية.
- توقعات وأهداف معقولة: يجب أن تفهم أن التعامل مع الاضطراب النفسي عملية طويلة، تتخللها تقلبات. ستكون هناك أيام جيدة وأيام صعبة. بدلًا من انتظار وضع "مثالي"، من المهم محاولة تقدير حتى التقدم البسيط والاحتفال بالإنجازات الصغيرة معًا.
- التكيف العاطفي: يُعدّ هذا جزءًا طبيعيًا من العملية. وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ تأقلم الأسرة مع الاضطراب النفسي له عواقب عاطفية، قد تشمل الحزن، القلق، الغضب، الإحباط والتوجس، وأحيانًا مشاعر اليأس وفقدان الأمل. جميع هذه المشاعر مشروعة ومفهومة، ومن المهم مشاركتها مع مجموعات الدعم، كالأصدقاء المقربين أو أفراد العائلة، أو في مجموعات الدعم، أو في إطار العلاج والإرشاد للأسر التي تواجه صعوبات، أو في جلسات العلاج العاطفي الفردية. في بعض الأحيان، يُمكن أن يُساعد العلاج الزوجي أو العائلي على تحسين التواصل وتقوية الروابط بينكم، حتى مع تغير الظروف.
ُمثل التعامل مع اضطراب نفسي لدى أحد الأحباء تحديًا كبيرًا للشخص الذي يعاني منه، وكذلك لمحيطه المباشر. من المهم تذكر أن تلقي الدعم من هذه الدائرة عامل أساسي في عملية التعافي. عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الاضطرابات النفسية، لا توجد حلول سحرية أو حلول سريعة للتعافي - إنها عملية تستغرق وقتًا. في هذه العملية، من المهم أولًا الاعتناء بنفسك ورفاهيتك، تعزيز حصانتك الداخلية، معرفتك ومهاراتك، حتى تتمكن من دعم الشخص الذي تهتم لأمره بشكل أفضل. إذا شعرت أنك بحاجة إلى توجيه أو دعم إضافي، فلا تتردد في طلب المساعدة. يمكنك استشارة مقدمي الرعاية الذين يرافقون الشخص الذي يعاني من الاضطراب - يمكنهم تقديم أدوات عملية ونصائح مهنية.
يمكنك أيضًا التواصل مع عامل اجتماعي في صندوق التأمين الصحي الخاص بك، أو مراكز الاستشارة والمساعدة المتخصصة في دعم أسر الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات النفسية. وبالطبع، يجب دائمًا تذكر أنه مع العلاج والدعم المناسبين، يمكن للعديد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أن يكونوا في طور التعافي والعودة إلى الأداء في مختلف مجالات الحياة.