المخاوف الليلية عند الأطفال
عرف الضوء واليقظة في ثقافتنا كرمزين للتفكير المنطقي والوعي، بينما يرمز الظلام والنوم غالبًا إلى التفكير غير المنطقي، الذي تهيمن عليه الظلال والذي لا تبدو فيه الأشياء كما هي. وهكذا، مع حلول الظلام، استعداداً لتوديع اليوم الذي انتهى، تتلون جميع تجاربنا أيضاً بألوان زاهية وقوية. بالنسبة للأطفال، غالبًا ما يرتبط الذهاب إلى السرير بتجربة الانفصال (عن الوالدين، عن أنشطة اليوم) وأحيانًا أيضًا بمشاعر الضيق والقلق. في هذه اللحظات يمكن أن يكونوا أكثر حساسية، تنخفض دفاعاتهم وتزداد احتياجاتهم من التبعية والبحث عن الدفء. هناك رغبة في الاحتضان، والعناق، والتدليل.
ستتناول المقالة التالية ظاهرة شائعة وطبيعية عند الاطفال وهي المخاوف الليلية. سنقوم بإدراج مظاهرها المحتملة والعلاج الموصى به ومتى من المستحسن طلب المساعدة المهنية.
كل المخاوف كلها
بادئ ذي بدء، من المهم أن نعرف أن المخاوف الليلية هي ظاهرة طبيعية ونموذجية للطفولة. إنها تشير إلى التطور الطبيعي وأحيانًا الى القدرات العقلية والعاطفية العالية.
يمكن أن تظهر المخاوف الليلية لدى كل صبي وفتاة بشكل مختلف. يعتمد الأمر على العمر، شدة الخوف، الخيال الشخصي والقدرة على احتوائك للأمر أنت والوالدين. يصف بعض الأطفال مخاوف واقعية مفصلة (الخوف من دخول اللصوص عبر الشرفة، الخوف من حدوث شيء ما لوالديهم، الخوف من مغادرة والديهم بعد أن يناموا)، ويصف آخرون نوعًا من الخوف الغامض (من الليل، من الظلام، من الوحدة)، وهناك من يخاف من الأحلام السيئة حول مجموعة متنوعة من المخلوقات الخيالية (حيوانات مخيفة، شياطين، وحوش).
يمكن للأطفال التعبير عن مخاوفهم بطرق مختلفة
-
البكاء
-
الحاجة لتواجد الأهل
-
طلب اشعال الأضواء
-
الإستيقاظ المتعدد
-
تفعيل الوالدين
- البكاء: هو الوسيلة الأكثر شيوعاً، وغالباً ما يكون مصحوباً بالأرق والضيق أثناء التنييم أو أثناء التحضير له.
- الحاجة إلى تواجد الوالدين لفترة طويلة: يحتاج الأطفال الذين يجدون صعوبة في النوم في بعض الأحيان إلى تواجد أحد الوالدين بجانبهم حتى يناموا.
- طلب ترك الأضواء مضاءة: المقصود بضوء صغير في الغرفة، أو حتى ضوءاً كاملاً في أماكن بعيدة من المنزل.
- الاستيقاظ المتعدد: قد يستيقظ الأطفال الذين يعانون من المخاوف الليلية عدة مرات في منتصف الليل، ويشكون من أحلام سيئة وأنهم استيقظوا و"لم يناموا طوال الليل".
- تفعيل الوالدين: غالبًا ما يتبع الاستيقاظ في منتصف النوم طلبات من الصبي أو الفتاة، مثل أن يأتوا ويغطوهم، يواسوهم، يأخذوهم إلى الحمام، ويحضروا لهما مشروبًا.
لكل جيل مخاوفه
من الممكن فهم المخاوف والتطرّق اليها بطرق مختلفة، وفقًا لسياقها ووفقًا لمدى مساعدتها للشخص في التغلب عليها. هناك مخاوف تشير إلى التطور المعرفي، الذي له آثار عاطفية. على سبيل المثال، قلق الانفصال والخوف من الغرباء الذي يظهر في عمر 9 أشهر تقريبًا، ينبع من تطور عمليات الذاكرة والتصور. يتعلم الأطفال التمييز بين المألوف وغير المألوف، ويكونوا قادرين على ربط الشعور اللطيف بالمألوف والتردد والخوف من غير المألوف.
في الأعمار المتأخرة (حوالي 4-6 سنوات)، يتميز تفكير الأطفال بمبادئ سحرية تربط الفكرة بالفعل ("إذا اعتقدت أنني غاضب من أمي، فسيؤثر عليها الغضب وسيحدث لها شيء سيئ". ) أو بين حدثين حدثا في نفس الوقت، لكن ليسا مرتبطين على الإطلاق ("عندما ارتديت القميص الأخضر فزت بالمباراة، لذا إذا أردت الفوز بالمباراة يجب أن أرتدي القميص الأخضر مرة أخرى" "). خلال هذه الفترة، عادة ما تتطور المخاوف من الشخصيات الخيالية، مثل الوحوش، الشياطين، الأشباح والساحرات.
يمكن للأطفال الأكثر نضجًا (حوالي 7 سنوات وما فوق) استنتاج السبب والنتيجة وتوقع النتائج السلبية المحتملة. وفي هذه الأعمار تظهر مخاوف أكثر واقعية، مثل الخوف من حدوث شيء للوالدين أو الخوف من اللصوص. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه ليست كل المخاوف تنشأ نتيجة تجربة فعلية مر بها الطفل. بعضها ينبع من التعلم، في أعقاب أصدقاء آخرين خائفين، من التحذيرات المتكررة التي تعرض لها الأطفال، أو من القصص التي يسمعونها عن "أشياء تحدث في الليل".
لكل خوف حل
يجب أن يتضمن التعامل مع المخاوف مرحلة أولية للتعرف وفهم من أو ما الذي يخاف منه الطفل أو الطفلة. قبل القفز إلى التفسيرات المنطقية لسبب عدم وجود نمر تحت السرير، قد يكون من المفيد أن نفهم مكان وجود النمر، وسبب وجوده هناك، وما الذي يخاف منه. من المهم أن نتذكر أنه في سن مبكرة ومع وجود مخاوف غير عقلانية بطبيعتها، تعمل قوانين المنطق بطريقة غير منطقية. إذا فهمنا أن النمر (الذي قد يكون تحت السرير) يخاف من الضوء، فمن المنطقي أن يكون لدى الطفل أو الطفلة مصباح يدوي، يمكن أن يضيء عليه عند ظهوره. إن المناقشة المنطقية حول احتمال وجود النمر هناك غير ضرورية ولا معنى لها.
في المرحلة الأولى من المهم إضفاء الشرعية على مشاعر الخوف. لا يستحق القول بأنه "لا يوجد شيء مخيف" ولا فائدة من القضاء على الخوف. بعد التعرف على الخوف، يمكنك البحث عن طرق للتعامل معه. يجدر البحث عن طريقة للتخلص من تجربة العجز ومنح الصبي أو الفتاة إحساسًا بالسيطرة، وأن لديهم نوعًا من القوة التي يمكنهم استخدامها في حالة ظهور الخوف. عند الأطفال، كما هو الحال عند البالغين، يكون الشعور بالسيطرة في بعض الأحيان أكثر أهمية وقوة من السيطرة نفسها.
إذا تذكرنا أن خيال الأطفال لا يؤدي إلا إلى إثارة المخاوف، فيمكننا أن نبدأ في رؤية أن نفس الخيال يمكن أن يجلب معه الحلول أيضًا.
مجموعة متنوعة من الطرق لإبعاد الخوف
من الممكن أن نقدم للأطفال مجموعة متنوعة من الحلول التي ترتبط بالتفكير السحري الذي يميز مرحلة النمو التي هم فيها، وبالتالي "التحدث بلغة" المخاوف:
- إعطاء الطفل أو الطفلة مصباحاً يدوياً، حتى يتمكن من طرد الظلام.
- رسم المخاوف على الصفحة ثم اختيار أحد الطقوس التي يتم من خلالها وضعها في الحجز مع ولي الأمر أو في مكان آمن آخر.
- اصنعوا مع الطفل أو الطفلة شخصيات خيالية، والتي سيتم استخدامها للحماية (الجنيات، الأبطال الخارقين، المحاربين، وما إلى ذلك)، أو بدلاً من ذلك - اطبع صورًا لأشخاص حقيقيين تعطي إحساسًا بالأمان (صور الوالدين، صورة للطفل أو الطفلة مع الأشقاء أو مع الأصدقاء).
- إصنعوا أو اشروا صائدة الأحلام وعلقوها فوق سرير الأطفال.
- قوموا بإعداد "رذاذ ضد الوحوش والمخاوف" من زجاجة ماء تزينها ثم قوموا برش الغرفة حسب الحاجة.
- العديد من الأطفال يستعينون بكائن انتقالي يحبونه. في كثير من الأحيان يكون لهذا الكائن أسماء خاصة (بطانيات، حفاضات، فيلوني، أرنوبي وغيرها من العابهم الخاصة) ويحتاج الأطفال إلى وجوده بالقرب منهم ليريحهم. هذه الأشياء لها أكبر أهمية نفسية في التطور العاطفي للأطفال.
- يمكن استخدام الدمى التي يحبها الأطفال وتلبيسها بعض قطع ملابس الأهل، وبذلك نخلق صورة أكثر واقعية عنا واستمرارية وجودنا. بشكل عام، من المهم جدًا تحقيق التوازن بين الحضور الجسدي الزائد للوالدين أثناء النوم نفسه، والذي يمكن أن يتعارض مع القدرة على تطوير عادات نوم طبيعية (النوم في سرير الوالدين، أو نوم الوالدين مستلقين في سرير الأطفال) ) وقلة حضور الوالدين (قول الأهل تصبحون على خير ويغادرون).
- يمكن لطقوس النوم، أو روتين الاستعداد للنوم، أن تكون مفيدة جدًا لتوفير جو هادئ وإحساس بالأمان - مما قد يؤدي إلى نوم أفضل. ويمكن أن تختلف طبيعة الطقوس من عائلة إلى أخرى حسب طبيعة الأطفال أو الوالدين، حسب عدد الأطفال في المنزل وغير ذلك.
- نشاط مشترك قبل النوم كالحديث عن أحداث اليوم أو قراءة قصة.
- الجلوس بجوار سرير الطفل أو الطفلة أثناء الاستلقاء يمكن أن يساعد أيضًا في تهدئة الخوف. يبقى بعض الأهل مع الطفل او الطفلة حتى ينام، وهذا جيد. وهناك من يغادر بعد دقائق قليلة ويقول إنه سيعود بعد قليل. هذا جيد أيضًا.
على أية حال، من المهم الاستماع إلى أطفالنا، ليشعروا بما يريدون أكثر من القيام بما هو مكتوب في هذه التعليمات أو تلك.
ما لا ينبغي القيام به
هناك بعض الإجراءات التي لا يُنصح باتخاذها لمساعدة الأطفال على النوم. وحتى لو بدا أنها ستساعد، فإنها في الواقع تلحق ضررًا أكبر:
-
النوم أثناء مشاهدة التلفاز
يمكن الجمع بين مشاهدة برنامج تلفزيوني مفضل ومألوف كجزء من طقوس وقت النوم، بل وينصح بمشاهدته معًا، لكن لا ينبغي أن تغفو أمام الشاشة. النوم أثناء المشاهدة لا يتيح للصبي أو الفتاة أن يكون على دراية بعملية التنويم، وبالتالي لا ينمي القدرة على تنظيم اليقظة وتهدئة أنفسهم.
في العديد من النواحي، يشبه هذا النوم إطعام الأطفال على الأرجوحة، أو أثناء بعض الأنشطة الأخرى التي تشتت الانتباه، والتي يدخل خلالها الطعام إلى الفم. وفي كلتا الحالتين، يكون تواصل الوالدين مع الفعل وليس مع الطفل، الذي يفقد فرصة تجربة فعل الأكل أو النوم وتعلم السيطرة عليه.
-
النوم المشترك
في كلتا الحالتين، الرسالة التي ننقلها هي أن خوف الطفل أو الطفلة حقيقي وليس لديهم خيار التعامل معه بمفردهم . قد يؤدي النوم في سرير الوالدين إلى ظهور صعوبات أخرى فيما بعد، وبالتأكيد لا يساعد على تنمية الثقة والشعور بالكفاءة. غني عن القول أن هذا الحل غالبا ما يسبب صعوبات على المستوى الزوجي. بالطبع، يمكنك الجلوس بجانب الطفل أو الطفلة أثناء استلقائهم على سريرهم ومحاولة الابتعاد عنهم من وقت لآخر، عندما يشعروا بأمان أكبر. بهذه الطريقة، وبطريقة تدريجية، سيصبح وجودك الجسدي غير ضروري في السرير وفي نفس الوقت سيشعرون بالحماية، الأمان والسيطرة على الموقف.
علاج حالات المخاوف الليلية الحادة
على الرغم من أن المخاوف الليلية ظاهرة شائعة وطبيعية، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالضرر الكبير الذي يلحق بنوعية حياة جميع أفراد الأسرة وأن المخاوف تستمر لفترة طويلة (أحيانًا حتى سن البلوغ)، فيجب عليك التفكير في العلاج المهني.
نظرًا لأن المخاوف الليلية أكثر شيوعًا بين الأولاد والبنات الصغار (الذين تتراوح أعمارهم بين 4-6 سنوات) (حوالي %70 من الأطفال)، فيمكن اعتباره جزءًا من الصعوبات التنموية المعيارية والمتوقعة والاكتفاء بتوجيه الوالدين الجيد والمثري وغير الطويل.
في سن متأخرة، يمكن المساعدة على التكيف من خلال التدخل العلاجي المباشر مع الطفل أو الطفلة. هناك أساليب سلوكية معرفية تتضمن تمارين التصور الإيجابي، برامج التعزيز، تمارين التنفس، استرخاء العضلات، التدريب على ضبط النفس. تركز الأساليب العلاجية الأخرى على المصادر العاطفية للخوف، والتي غالبًا ما ترتبط بمواقف مختلفة في المنزل (القلق بشأن سبل العيش، المشاجرات بين الوالدين)، ومخاوف أحد الوالدين (الأم التي تأخذ الطفل للنوم معها عندما لا يكون الأب في المنزل) أو إلى موقف عاطفي أكثر تعقيدا.
على أية حال، من المهم أن نتذكر أنه على الرغم من أنها ظاهرة صعبة، إلا أن المخاوف الليلية تشير إلى التطور الطبيعي. من خلال الفهم، الصبر والإبداع، يمكن مساعدة الأطفال على التعامل مع مخاوفهم وتنمية ثقتهم بأنفسهم. ومع الوقت والدعم المناسب، سيتغلب معظمهم على خوفهم ويتعلمون الشعور بالأمان والهدوء حتى في ساعات الظلام.