كسر الوصمة
بإمكان كل واحد منا أن يُحدث فرقًا في كسر وصمة العار المرتبطة بالصحة النفسية - وليس فقط من يعانون من أمراض نفسية. لا يشترط أن تكون خبيرًا لتقديم المساعدة، وأحيانًا قد يُحدث تغيير بسيط فرقًا كبيرًا في حياة شخص ما. عندما نختار التعلّم، التحدث والتعامل مع الصحة النفسية باحتواء وبطريقة متفهمة، فإننا نخلق بيئة يستطيع فيها الجميع طلب المساعدة دون خوف، إيجاد دعم حقيقي والحصول على فرصة عيش حياة كاملة وذات معنى.
المرضى يكسرون الوصمة
إن قرار مشاركة معلومات حول حالتك الصحية النفسية هو قرار شخصي تمامًا، ولست مجبرًا على مشاركتها مع الجميع. مع ذلك، عندما تقرر المشاركة، هناك طرق للقيام بذلك بطريقة تشجع على التفاهم بدلًا من إصدار الأحكام:
-
تحضير الإجابات
-
التحدث في الوقت المناسب
-
رفع الوعي
- من المستحسن تحضير إجابات بسيطة وواضحة للأسئلة الشائعة مسبقًا: فعندما يسألك أحدهم: "ماذا حدث لك؟"، يمكنك أن تشرح أنك مصاب بحالة طبية كغيرها من الحالات، والتي يتم معالجتها بشكل مهني. من الأفضل تجنب الخوض في تفاصيل معقدة أو شخصية، والتركيز بدلًا من ذلك على الرسالة الأساسية - وهي أنها حالة طبية قابلة للعلاج.
- اختر الوقت والمكان المناسبين للمحادثة، وابدأ مع الأشخاص الذين يبدون منفتحين وداعمين: من المفيد أن توضح مسبقًا، مع نفسك أو بمساعدة شخص مقرب أو معالج نفسي، ما الذي ترغب في مشاركته، متى ومع من. من المهم أن تنبع المشاركة من شعورك بالأمان وعدم انتهاك خصوصيتك. إضافةً إلى ذلك، تذكر أنه حتى لو كانت ردة الفعل سلبية، فهذا لا يعكس أي شيء عنك، بل يعكس قلة معرفة الطرف الآخر.
- استغلال الفرص والقصص الشخصية لزيادة الوعي: إذا قررت مشاركة معاناتك على نطاق واسع وبصراحة مع الآخرين، فمن المهم استشارة شخص مقرب منك أو معالجك النفسي مسبقًا. إن مشاركة تجارب القلق، الاكتئاب أو الصدمات النفسية بصراحة تُشجع على إجراء حوار حقيقي. كما أن القصص الشخصية لأشخاص مروا بأزمات وعادوا إلى حياتهم الطبيعية تُبدد الخرافة القائلة بأن طلب المساعدة مرتبط بالضعف، وتوضح أن التأقلم النفسي جزء لا يتجزأ من دورة الحياة. في الوقت نفسه، من المهم أن يتم ذلك بطريقة تتوافق مع حدودك الشخصية وتحميك.
أهمية الدعم وثقافة التسامح
الأشخاص الذين يعرفون المتعاملين مع مشاكل نفسية، سواء كانوا أفراد العائلة، أصدقاء أو زملاء في العمل، يمكنهم أن يصبحوا ذوي تأثير في كسر الوصمات. أفضل طريقة للدعم هي الاستماع دون إصدار أحكام، وطرح الأسئلة من منطلق الفضول الحقيقي وليس من رغبة في إعطاء النصائح. إليكم بعض الاقتراحات التي يجدر تبنيها:
-
فهم ما لا يجب قوله
عبارات مثل: "تجاوز الأمر"، "فكّر بإيجابية"، أو "الجميع يمر بأوقات عصيبة" غير مفيدة، بل وقد تكون مؤذية أحيانًا. بدلًا من ذلك، يمكنك قول: "أنا هنا من أجلك"، "كيف يمكنني مساعدتك؟" أو ببساطة "شكرًا لإخبارك لي"، وهذا قد يُحدث فرقًا كبيرًا.
-
رفض الوصمة
: عندما يُبدي من حولك آراءً سلبية أو يستخدمون مصطلحات مُهينة بشأن الصحة النفسية، من المهم الرد. ليس عليك الدخول في جدال، يكفي أن تقول: "أنا لا أوافق"، أو "أعرف أشخاصًا يعانون من هذا الأمر وهم رائعون". تُساند هذه الردود من يعانون من هذه المشكلة، وتُقدّم معلومات صحيحة وتُعزّز التسامح.
-
التعرّف على الموضوع عن كثب
يُعدّ اللقاء المباشر، أو حتى مشاهدة مقطع فيديو يتضمن شهادة لشخص يعاني من صعوبة نفسية كبيرة، أكثر تأثيراً من أي عرضٍ للحقائق. فالتواصل الإنساني المباشر هو الوسيلة الأكثر فعالية في الحدّ من الوصمة.
-
المساهمة في رفع مستوى الوعي
على سبيل المثال، تُسهم المشاركة في فعاليات اليوم العالمي للصحة النفسية أو الفعاليات المحلية في زيادة الحوار العام حول هذا الموضوع. كما يُسهم تبادل المعلومات الموثوقة على وسائل التواصل الاجتماعي أو مناقشة الموضوع مع الأصدقاء وأفراد العائلة في تثقيف المحيط المباشر.
التعامل مع الوصمة في مكان العمل
يُعدّ مكان العمل ساحةً بالغة الأهمية لكسر الصور النمطية. يقضي الناس جزءًا كبيرًا من وقتهم في العمل، ويبنون لأنفسهم هويةً مهنية. من المهم معرفة أن للأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية حقوقًا قانونية في العمل، وأن أصحاب العمل مُلزمون بتوفير التسهيلات المعقولة عند الضرورة. تُرسل تشريعاتٌ مثل قانون المساواة في الحقوق للأشخاص ذوي الإعاقة رسالةً واضحةً للجمهور: أن للأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية الحق في التمتع بنفس الحقوق، الفرص والاحترام الذي يتمتع به أي شخص آخر. لكن الإطار القانوني وحده لا يكفي.
بإمكان مسؤولي الموارد البشرية والمدراء تهيئة بيئة عمل داعمة ومتاحة للجميع من خلال إجراء تعديلات على بيئة العمل، عقد محاضرات توعوية، إنشاء مجموعات دعم داخلية ووضع سياسة واضحة لمكافحة التمييز. كما يمكن للموظفين المساهمة في ذلك من خلال تجنب استخدام اللغة المسيئة، وخلق جو من التقبل والدعم المتبادل.
استخدام شبكات التواصل الاجتماعي
يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي أن تكون أداة فعّالة لكسر الوصمة، ولكن من المهم استخدامها بحكمة وأمان. عند اتخاذ قرار بمشاركة معلومات عن صحتك النفسية عبر الإنترنت، يُنصح بالتفكير مسبقًا في من سيرى منشورك وكيف قد يُفسّر، واستشارة أحد المقربين أو مقدم الرعاية الصحية قبل النشر. كما يمكنك حصر الجمهور المستهدف بالأصدقاء فقط أو مجموعة مغلقة محددة لمعرفة ردود الفعل وتأثيرها عليك.
تُتيح وسائل التواصل الاجتماعي فرصةً لمكافحة الوصم الاجتماعي وإيصال رسالةٍ مهمةٍ بالنسبة لك أو سرد قصتك الشخصية، ولكن من المهم أن تتذكر حماية نفسك وحدودك. من المفيد أيضًا أن تكون مستعدًا للردود السلبية وأن تعرف كيف تتعامل معها. أحيانًا يكون من الأفضل تجنب الدخول في جدالات وحذف التعليقات المسيئة. في الحالات الشديدة، يمكن حظر المستخدمين أو الإبلاغ عنهم للمنصة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن الانضمام إلى مجتمعات الدعم - وهي مجموعات من الأشخاص الذين يتشاركون تجارب مماثلة ويمكنهم تقديم الدعم والتشجيع. يمكن أن تساعدك هذه المجتمعات على الشعور بأنك لست وحدك، كما يمكنك الحصول على نصائح عملية للتأقلم.
الأنشطة المجتمعية والاجتماعية
بإمكان الجميع المساهمة بفعالية في كسر الصور النمطية السلبية من خلال العمل المجتمعي. يتمثل النهج المُعتمد اليوم في دمج وتكييف الأشخاص ذوي الإعاقة في الأطر والأنشطة المجتمعية المفتوحة للجمهور، في مجالات مثل الصحة، التعليم، الإسكان، التوظيف والترفيه. ويستند هذا النهج إلى فهم أننا نعيش في مجتمع متنوع، حيث يمتلك كل فرد آلياته الخاصة للتكيف، ويكمن التحدي في إنشاء مجموعة قادرة على استيعاب هذه التكيفات ومنح كل فرد مكانه واحتياجاته، مع تمكين المجموعة في الوقت نفسه من أداء مهامها وتحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله - سواء كان ذلك فصلاً دراسياً في مدرسة، ورشة عمل للوقاية من التدخين في صندوق المرضى أو دورة لتعليم الحياكة في مركز مجتمعي. وتكمن الفائدة هنا في جانبين: فائدة للمجموعة التي تضم أشخاصاً ذوي إعاقة، وفائدة للفرد نفسه.
في مجال الصحة النفسية، توجد العديد من المنظمات التي تُعنى بالأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية وعائلاتهم. تُقدم هذه المنظمات أنشطةً لرفع مستوى الوعي، الحد من الوصمة الاجتماعية، توفير المعلومات والأدوات، المرافقة وتقديم الدعم والمساعدة المتبادلة. وسواء كان ذلك من خلال التطوع أو العمل مقابل الأجر ضمن هذه المنظمات، أو في مراكز العلاج والتأهيل، فإنّ فعل الخير للآخرين يُسهم في تعزيز الشعور بالتمكين، ويُضفي معنىً ليس فقط بالنسبة للمريض الذي اختار أن يكون فاعلاً، وانما أيضاً لأولئك الذين تلقوا المساعدة منه، والذين يستمدون الإلهام من القوة والخبرة التي يقدمها.
كل فعل مهم
عندما ننظر إلى شخص ما من خلال تشخيصه فقط، فإننا نفوت الصورة الكاملة. كل إنسان هو مزيج من نقاط القوة، العلاقات، التطلعات وقصة حياة. حتى لو رافقته معاناة نفسية، فإنها لا تحدد هويته. عندما ينظر المجتمع إلى الشخص ككل، وليس كمجرد "مريض"، فإنه يتيح له أن يعيش حياة كاملة، وفقًا لرغباته وأهدافه التي وضعها لنفسه.
نحن نعيش في مجتمع متنوع، حيث لكل فرد قصته ومعاناته الخاصة، ومن المهم أن نتذكر أن الكلمات تُشكّل الواقع - سواء في المنزل، أو بين الأصدقاء، أو على وسائل التواصل الاجتماعي أو في مكان العمل. عندما نختار استخدام لغة محترمة ونتجنب التعبيرات المسيئة، فإننا نساهم في تغيير واسع النطاق في الوعي. عندما نصغي دون إصدار الأحكام ونتصدى للآراء المسبقة في محيطنا، فإننا نبني بيئة أكثر أمانًا للجميع. إضافةً إلى مسألة استخدام اللغة والإصغاء، هناك مستوى آخر يمكنك فيه أن تكون أكثر فاعلية في رفع مستوى الوعي، الاندماج في مجموعة متنوعة بطبيعتها وإتاحة الفرصة للتعرف على الآخرين بشكل شخصي.
كل فعل، كبيرًا كان أم صغيرًا، يُسهم في كسر الوصم الاجتماعي وبناء مجتمع أكثر احتواءً. يكمن جوهر الأمر في إدراك أن الوصم ليس مشكلة تخص فردًا بعينه، بل هو نتاج عمليات اجتماعية وثقافية - وبالتالي يمكننا جميعًا أن نكون جزءًا من الحل.