روتين يومي وحياة منظمة: أدوات لتحقيق التوازن والرفاه النفسي
الروتين اليومي يُوفّر إطارًا واضحًا للحياة، يتيح لنا معرفة ما يمكن توقّعه. عندما يكون هناك نظام – يكون هناك أيضًا هدوء داخلي، شعور بالسيطرة، استقرار وأداء أفضل في مجالات الحياة المختلفة. الروتين اليومي يتكوّن من سلسلة من الأعمال اليومية التي تحدث بشكل منتظم وروتيني. هذه الأفعال قد تكون عادات ثابتة أو طقوسًا يومية تساعدنا على تنظيم الوقت وأداء المهام بشكل فعّال.
لكل فرد روتين يومي خاص يناسبه، ويتأثر بخصائصه الشخصية، مثل العمر، الحالة الصحية، القدرات، الرغبات، الأنشطة والانشغالات، وكذلك بخصائص البيئة البشرية والمادية التي يعيش ويعمل فيها.
العادات والروتين: الأساس لروتين يومي متوازن
يتكوّن الروتين اليومي من نوعين من الأفعال:
العادات
أفعال يومية ثابتة، مثل الاستيقاظ، الاستحمام، ارتداء الملابس وتناول الطعام. تُنفَّذ هذه الأفعال غالبًا بشكل تلقائي وتُساعدنا على التجهّز بسرعة وكفاءة.
الروتين
أنشطة أو مهام نلتزم بها، مثل الاستعداد للعمل، تجهيز الأطفال للمدرسة، العمل في مكان العمل، وأيضًا أنشطة الترفيه والنوم. توفّر لنا هذه الروتينات شعورًا بالاستقرار وبنية منظمة.
العلاقة بين الروتين اليومي والصحة النفسية
عندما يكون الروتين اليومي واضحًا ومُنظّمًا، وننجز المهام التي وضعناها لأنفسنا – تصبح الحياة أكثر توازنًا واستقرارًا. هذا الوضع يُساهم في الإحساس بالرفاهية (wellbeing) والسكينة النفسية، ويُعزّز الصحة الجسدية، النفسية والإدراكية. إنه يمنحنا شعورًا بالاستمرارية، السيطرة والقدرة، ويُساعدنا على الاتصال بـ "الآن وهنا".
من المهم لكل شخص، في كل عمر، أن يكون لديه روتين يومي متوازن يشمل أنشطة ذات معنى في جميع مجالات الحياة: العناية الذاتية، العائلة، العمل، المنزل، المجتمع والترفيه. التوازن بين مختلف الأنشطة يُساهم في الصحة العامة، يُلبّي احتياجات الحياة المختلفة (مثل كسب الرزق)، إلى جانب تحقيق الرضا والمعنى، ويُساعد في تحقيق الذات.
أهمية الروتين اليومي والحياة المنظمة للأشخاص الذين يعانون مع اضطرابات نفسية
الأشخاص الذين يعانون مع اضطراب نفسي شديد، معرضون بدرجة أكبر لتبنّي نمط حياة يتّسم بنقص أو اختلال في التوازن المهني أو الوظيفي، ضعف في الانخراط بالأدوار الحياتية، تقليل في فرص ممارسة أنشطة ذات معنى، وفرص أقل للشعور بالإشباع العاطفي والنمو الشخصي.
روتين حياة نشط ومُعزّز للصحة
الروتين هو نمط مألوف في الحياة اليومية، يدعم قدرتك على أداء ما هو مطلوب في الوقت المناسب. عندما تسير الحياة الروتينية بشكل منتظم، فإنها تصبح عاملًا مهدّئًا يمنح الشعور بالأمان والسيطرة على مجريات حياتك.
روتين حياة مُعزّز للصحة يتكوّن من مزيج من أنشطة ومهام تُنفّذ بشكل متكيّف مع القدرات، الإمكانيات والطبيعة الشخصية الفريدة لكل شخص. لكن للجميع، من المهم أن يشمل هذا الروتين عناصر من مجالات الحياة المختلفة، مثل: العمل، الدراسة، الترفيه، الراحة والنوم – وبكميات تتناسب مع العمر والأدوار الحياتية لكل شخص.
من أجل إنشاء روتين والحفاظ عليه، من المهم تحديد جدول يومي ثابت، مع الالتزام بالتوازن بين الأنشطة الجسدية والذهنية، وبين الأنشطة الضرورية وتلك الممتعة. المشاركة الفعّالة والمتوازنة خلال اليوم في جميع مجالات الحياة ومهامها قد تُساهم في تأخير تدهور الأداء، تحسين جودة الحياة، رفع الثقة بالنفس، تعزيز الشعور بالقدرة والمرونة النفسية.
الروتين اليومي كأداة للحصانة النفسية في أوقات الضغط
الحصانة النفسية ليست صفة فطرية، بل هي قدرة مكتسبة تتطوّر على مرّ السنين وتتأثر بعوامل شخصية وبيئية. هناك علاقة مثبتة بين الانخراط في أنشطة ذات معنى وبين تعزيز الصحة، جودة الحياة، والمرونة النفسية. لكل فرد أنشطة تُعزّز شعوره بالكفاءة الذاتية وإيمانه بقدرته على تنفيذ أعمال تُقرّبه من الأهداف التي وضعها لنفسه.
أوضاع الضغط تُهدّد الاستمرارية في الروتين اليومي، وبالتالي تُضعف الحصانة النفسية لدى كل شخص. لذلك، في أوقات الأزمات، والتي تتميّز بالتوتر وانعدام السكينة، من المهم محاولة الارتباط بالأنشطة المتاحة في البيئة القريبة، من أجل تنظيم شدّة المشاعر، تخفيف التوتر، والحفاظ على الحصانة النفسية. أي أنه في حالات الخروج عن التوازن، من المهم فحص الوضع وتوجيه الذات نحو أفعال تُعيد الشعور بالقدرة، الثقة بالنفس، والقدرة على العمل والخروج من الأزمة.
ماذا نفعل في حالات الضغط؟
الأنشطة تختلف من شخص لآخر، فلكل شخص نشاطات تناسبه، وهذه الأنشطة يمكن أن تتغير بحسب الفترات المختلفة في حياة الإنسان. النقطة المهمة هي أن النشاط نفسه والفعاليات التي يتم تنفيذها هي التي تحسن الحالة في لحظات الأزمة، ولذلك يمكن أن يكون لها تأثير علاجي إيجابي. بكلمات أخرى: أي نشاط يخرجك من الجمود الذي ينشأ في حالة الأزمة، يمكن أن يساعد في التعافي وإعادة الدفع إلى الروتين.
عندما يتعطل روتين اليوم: التأثيرات على الأداء والصحة
عندما يختل الروتين المعتاد، مثلًا في حالات الطوارئ، الأزمات أو المرض، يتم تعطيل روتين اليوم ونتيجة لذلك قد يتعطل التوازن، وبدلاً منه يتزعزع شعور الاستقرار واليقين. في مثل هذه الحالات، من المهم إعادة بناء الروتين المألوف في أسرع وقت ممكن، أو بناء روتين جديد يتناسب مع الوضع الجديد، من أجل استعادة توازن النظام الداخلي بالكامل.
بالإضافة إلى ذلك، الحياة تقدم لنا في كثير من الأحيان أحداثًا غير متوقعة، قد تضاف بسببها مهام عاجلة لمعالجتها، أو مهام جديدة قد تؤدي تنفيذها إلى إدخال القلق والضغط. هذه المشاعر وكسر النظام الموجود والمألوف يؤديان إلى تأثير على روتين اليوم وحياة الإنسان المعتادة، وبالتالي قد يتسبب ذلك في اختلال التوازن النفسي وإثارة مشاعر من الخوف، القلق، التوتر وما إلى ذلك.
من عدم التوازن في الأنشطة إلى التأثير على النظام اليومي
عدم التوازن في الأنشطة يظهر في أنماط نشاط تتميز بالنوم المفرط والانشغال بأنشطة ترفيهية سلبية، مثل مشاهدة التلفاز بشكل مفرط، بالإضافة إلى انخفاض في تنفيذ الأعمال المنتجة والمشاركة في الأنشطة الترفيهية الاجتماعية التي يشارك فيها أشخاص آخرون. هذا التأثير يظهر في انخفاض القدرة على المشاركة في الأنشطة المختلفة وإدارة نظام يومي سليم، مما يؤدي إلى انخفاض في القوة الجسدية والنفسية، الرضا العام وجودة الحياة.
المشاركة في الأنشطة الهامة، تدفعك نحو تحقيق مبادئ - "تصور التعافي" - وهو مصطلح في مجال الصحة النفسية الذي يشير إلى "التعافي" كعملية شخصية ومستمرة من التعامل، والتطور والنمو، من خلال تطوير العلاقات الاجتماعية وتوسيع الأدوار الاجتماعية، وتجديد الأمل وتكوين تصور جديد للذات بعيدًا عن المرض نفسه.
من المهم أن نذكر
من المهم أن نذكر
لكل شخص احتياجاته الخاصة، ولذلك عندما يتم التوجيه لبناء نظام يومي، من المهم التأكد من أن هذه العملية تتم بشكل مثالي مع مراعاة الشخصية، الطابع وأنظمة الدعم والموارد المتاحة له، وبيئته.
ساعات العمل الطويلة قد تؤثر على التوازن
العمل لساعات طويلة جداً، التي لا تترك وقتاً للراحة والترفيه في الروتين الأسبوعي، الشهري أو السنوي، يخل بتوازن مكونات الروتين اليومي، مما قد يؤدي إلى الشعور بالتعب الشديد وإلحاق الضرر بالصحة الجسدية والنفسية.
إحداث اختلال حاد في الروتين اليومي
في الحالات التي يتعطل فيها الروتين اليومي بشكل حاد، قد يحدث تأثير في العلاقة بين مشاعرنا والأداء العقلي، مثل قدرة الانتباه، التفكيروالذاكرة، التي تؤثر بعضها على بعض. النتيجة قد تكون تدمير التوازن في الحياة بشكل عام، مما يؤدي إلى تدمير القدرة على التأقلم والمرونة النفسية على وجه الخصوص. على سبيل المثال، التنازل عن تلبية الاحتياجات الأساسية مثل العناية الذاتية، بما في ذلك: الشرب، الأكل، الراحة والنوم، لصالح اختيار أو الانجراف وراء أنشطة جديدة غير متوقعة.
نصائح لإنشاء روتين يومي متوازن وفعال
-
الأنشطة والأوقات الثابتة
من الأفضل الحفاظ على الاستمرارية وإيجاد طرق للحفاظ على الأنشطة الأسبوعية المعتادة. في بعض الأحيان، يكون الروتين مكثفًا جدًا لدرجة أنه يصعب التوقف والتفكير فيه. من الجيد بين الحين والآخر تقييم أسلوب حياتك يوميًا وعلى مدار الزمن، والتأكد من أن الروتين متوازن ويتناسب معك.
-
التوازن والتنوع
من المستحسن دمج أنشطة مختلفة خلال اليوم في بيئات متنوعة، بناءً على اختياراتك الشخصية والمعنى الذي تمنحه لها. هذا التوازن ديناميكي ويعتمد على الاختيارات الشخصية والمعنى الذي تُعطيه أنت لها. من الأفضل تجنب البقاء في مكان واحد فقط أو القيام بمهمة واحدة فقط قد تمنعك من الانخراط في أنشطة أخرى.
-
دمج الجوانب المعرفية والعاطفية
من المهم أن يشمل الجدول اليومي أنشطة تسبب لك المتعة وتكون تحديًا فكريًا، وتعطيك شعورًا بالإنجاز، المعنى، الاهتمام، الهدف، القدرة، الأمان، السيطرة والمتعة.
-
التوازن بين الأداء والراحة
من المهم دمج الأنشطة الوظيفية الضرورية مثل العمل والعناية بالمنزل أو الأطفال في جدولك اليومي، ولكن لا تنسى تخصيص وقت لنفسك أيضًا للراحة، وقت خاص يمكنك فيه الاهتمام بنفسك واحتياجاتك.
هل روتينك اليومي متوازن؟
يمكن لكل شخص استخدام هذه الأسئلة لفحص روتينه اليومي: إلى أي مدى هو متنوّع، متوازن، ومُلائم للاحتياجات الشخصية. بحسب الإجابات، يمكن معرفة ما إذا كنتَ أو كنتِ بحاجة أو ترغبون في إجراء تغيير، لكي يصبح الروتين ملائمًا ودقيقًا أكثر بالنسبة لكِ أو لك.
- إلى أي مدى تتلاءم أنشطتك مع احتياجاتك وقدراتك؟
- إلى أي مدى تُشعِرك أنشطتك بشعور جيد؟
- هل هناك أنشطة ترغبين/ترغب في إضافتها إلى روتينك اليومي؟
- هل هناك أنشطة ترغبين/ترغب في تقليلها أو تغييرها؟
- هل يشمل روتينك اليومي وقتًا كافيًا للعمل، الراحة، الترفيه، النوم، العلاقات الاجتماعية والأصدقاء؟
- من أي جزء من اليوم تتمكّنين/تتمكّن من جَني أكبر قدر من المتعة؟