أنواع العلاج النفسي
شهد مجال الصحة النفسية تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، وأصبحت تتوفر اليوم مجموعة واسعة من العلاجات التي تُلائم الاحتياجات المختلفة. يعتمد العلاج النفسي (Psychotherapy) على الحوار، ويتيح فهمًا أعمق للمشاعر وأنماط التفكير والسلوك، إلى جانب تطوير أساليب جديدة للتعامل مع التحديات. يركّز العلاج الديناميكي على استكشاف تجارب الماضي وتأثيرها في الحاضر، بينما يركّز العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على تحديد أنماط التفكير والسلوك غير المفيدة والعمل على تغييرها. ويضيف العلاج السلوكي الجدلي (DBT) أدوات لتنظيم المشاعر والتعامل مع المواقف الشديدة، في حين يركّز علاج القبول والالتزام (ACT) على تقبّل الخبرات المختلفة مع الالتزام بالتصرف وفقًا للقيم الشخصية.
اختيار نوع العلاج المناسب
يعتمد اختيار نوع العلاج المناسب على عوامل عديدة، مثل: نوع الصعوبة، وشدة الحالة، والتفضيل الشخصي، والتجارب العلاجية السابقة، وأحيانًا أيضًا اعتبارات عملية مثل توفر العلاج، وتكلفته، أو إمكانية الحصول عليه ضمن خدمات الرعاية المجتمعية.
في بعض الأحيان يختار المريض أو المريضة نوع العلاج بنفسه، وفي أحيان أخرى يتم اختيار العلاج بالتعاون مع أخصائي أو أخصائية، يساعدان في إجراء التقييم الأولي وتوجيه المريض إلى الخيار العلاجي الأنسب.
من المهم أن نتذكر: ليس من الضروري دائمًا اختيار العلاج "الصحيح" منذ البداية. ففي كثير من الحالات يبدأ العلاج بمنهج علاجي معين، ثم يتم لاحقًا دمجه مع منهج آخر أو الانتقال إلى أسلوب علاجي مختلف، وفقًا للاحتياجات التي تظهر وتتطور أثناء مسار العلاج.
ومن المهم الإشارة إلى أن العلاج يبدأ دائمًا بتقييم نفسي، وعادةً ما تُعقد جلسة تقييم أولية (Intake) قبل بدء العملية العلاجية. وتهدف هذه الجلسة إلى تقييم الحالة النفسية، وشرح التشخيص أو الاشتباه بالتشخيص للمريض أو للمريضة، وتوضيح التوصيات الأساسية بشأن نوع العلاج والإطار العلاجي المطلوب.
أنواع العلاج
العلاج النفسي – رحلة مشتركة نحو اكتشاف الذات والتعافي
يُعد العلاج النفسي، أو العلاج بالحديث (Psychotherapy)، أحد أهم الوسائل للتعامل مع الصعوبات النفسية والعاطفية. وهو عملية علاجية تقوم على الحوار مع أخصائي أو أخصائية في الصحة النفسية، وتهدف إلى فهم الخبرات والمشاعر والأنماط الداخلية، والمساعدة على إحداث تغيير يساهم في تحسين جودة الحياة. لكل واحد منا قصة شخصية تتكون من مشاعر وأفكار وتجارب مختلفة. ويوفر العلاج النفسي مساحة آمنة وداعمة تتيح استكشاف هذه القصة، وفهم العلاقة بين تجارب الماضي والحياة الحالية، واكتشاف طرق جديدة للتعامل مع التحديات وتعزيز نقاط القوة الداخلية.
خلال العملية العلاجية، يهدف العمل المشترك إلى:
-
فهم المشاعر والأفكار وأنماط السلوك بصورة أفضل.
-
تحديد الأنماط المتكررة التي تؤثر في العلاقات وفي الشعور بالرفاه النفسي.
-
تطوير أساليب أكثر فاعلية للتعامل مع الصعوبات والتحديات.
-
تعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية وتحسين جودة الحياة.
في حالات المرض أو أثناء فترة المكوث في المستشفى، يمكن للتدخل العلاجي أن يساعد في التكيف مع المرض، والتعامل مع الأزمة الصحية، ودعم عمليات التأهيل.
- من المؤهل لتقديم هذا النوع من العلاج: يُقدَّم العلاج النفسي (العلاج بواسطة أخصائي نفسي) فقط من قبل أخصائيات وأخصائيين نفسيين المرخَّص لهم بذلك. أما العلاج النفسي (Psychotherapy)، فيُقدَّم من قبل مختصين ومختصات تلقّوا تدريبًا مناسبًا في مجال الصحة النفسية، ومن بينهم الأخصائيون النفسيون، الأخصائيون الاجتماعيون السريريون، الأطباء النفسيون والمعالجون المعتمدون في العلاج النفسي.
- أين يُقدَّم العلاج: يمكن الحصول على العلاج النفسي في أطر مختلفة، مثل صناديق المرضى، والمستشفيات، ومراكز العلاج العامة، أو العيادات الخاصة. وفي بعض الحالات، يمكن أيضًا تلقي العلاج عن بُعد من خلال جلسات عبر الفيديو.
للمزيد من المعلومات حول العلاج في مجال الصحة النفسية باستخدام الوسائل التكنولوجية.
أبرز المناهج العلاجية في العلاج النفسي (Psychotherapy)
توجد مناهج علاجية مختلفة، ففي بعض الأحيان يعتمد المعالج أو المعالجة على منهج علاجي رئيسي واحد، وفي أحيان أخرى يتم الدمج بين عدة مناهج علاجية، وذلك وفقًا للاحتياجات الشخصية والخصائص الفردية لكل مريض أو مريضة.
العلاج الدوائي
يُعد العلاج الدوائي أحد الأدوات الأساسية المتاحة للأطباء العاملين في مجال الصحة النفسية، وأحيانًا أيضًا لأطباء الأسرة، وذلك بعد إجراء تقييم طبي. ويهدف إلى المساعدة في التخفيف من الأعراض النفسية من خلال أدوية تؤثر في نشاط الدماغ والجهاز العصبي.
قد يشعر بعض الأشخاص بالقلق عند سماع مصطلح "الأدوية النفسية"، إلا أنها تمثل بالنسبة لكثيرين وسيلة علاجية فعالة تساعد على تخفيف المعاناة النفسية، وتمكّنهم من استعادة قدرتهم على أداء وظائفهم اليومية والعودة إلى حياتهم الطبيعية. وفي كثير من الحالات، لا يُستخدم العلاج الدوائي بمفرده، وإنما يُدمج مع العلاج النفسي.
- جوهر العلاج: تعمل الأدوية من خلال موازنة العمليات الكيميائية الحيوية في الدماغ، مما يساعد على التخفيف من أعراض مثل الاكتئاب، والقلق، والأفكار الوسواسية، والتقلبات الحادة في المزاج، أو اضطرابات النوم. وتوجد مجموعات مختلفة من هذه الأدوية، منها: مضادات الاكتئاب، ومضادات القلق، ومثبتات المزاج، ومضادات الذهان.
- لمن يناسب هذا العلاج؟ قد يكون العلاج الدوائي مناسبًا عندما تكون المعاناة النفسية شديدة ومصحوبة بتأثير واضح في الأداء اليومي، كما في حالات الاكتئاب الشديد أو القلق. ومع ذلك، توجد حالات يمكن فيها البدء بالعلاج النفسي وحده، ثم تقييم الحاجة إلى العلاج الدوائي في مرحلة لاحقة.
متى يُنصح عادةً بالنظر في العلاج الدوائي؟
من المهم أن تعرف
من المهم أن تعرف
- خلال فترة العلاج، تتم متابعة طبية منتظمة بهدف تعديل جرعة الدواء عند الحاجة ومراقبة الآثار الجانبية.
- كما ذُكر، فإن الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي قد يكون، في كثير من الحالات، أكثر فعالية.
- في بعض الأحيان، يستغرق ظهور التأثير الكامل للدواء عدة أسابيع.
التنويم الإيحائي
التنويم الإيحائي هو أسلوب علاجي يعتمد على إحداث حالة ذهنية من التركيز والانتباه المعززين، مما يتيح الوصول بصورة أعمق إلى الخبرات الداخلية والمشاعر وأنماط التفكير. وفي هذه الحالة، يبقى الشخص واعيًا لما يدور حوله ومحتفظًا بسيطرته على مجريات العلاج، إلا أن انتباهه يكون أكثر تركيزًا.
الارتجاع البيولوجي (Biofeedback)
الارتجاع البيولوجي هو أسلوب علاجي يعتمد على الربط بين الجسم والعقل، ويجمع بين مبادئ من علم النفس وعلم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا). ومن خلال أجهزة مخصصة، يحصل المريض على تغذية راجعة فورية حول العمليات الجسدية، مثل معدل نبضات القلب، والتنفس، وتوتر العضلات، أو موصلية الجلد.
التأمل واليقظة الذهنية
يُعد كل من التأمل (Meditation) واليقظة الذهنية (Mindfulness) ممارستين تهدفان إلى تنمية الوعي والحضور في اللحظة الراهنة، وتُستخدمان اليوم أيضًا كأدوات للمساعدة في تعزيز الصمود النفسي والتخفيف من التوتر والقلق. ويمكن أن يساعد المواظبة على ممارسة هاتين الطريقتين في تحسين القدرة على تنظيم المشاعر، والتعامل مع الأفكار المتدفقة، وزيادة الشعور بالهدوء والتركيز.
علاجات العقل والجسد
هي علاجات تستند إلى الفهم بأن الخبرات العاطفية، ولا سيما حالات الضغط النفسي والصدمات، لا تُعاش على مستوى التفكير والمشاعر فقط، بل تنعكس أيضًا على الجسم. ففي بعض الأحيان، قد تظهر الخبرات التي لم تُعالَج بشكل كامل على هيئة توتر جسدي، أو حالة من التأهب المستمر، أو فيض عاطفي، أو شعور بالانفصال.
ومن أبرز المناهج في هذا المجال العلاج بالتجربة الجسدية (Somatic Experiencing – SE)، وهو منهج علاجي يقوم على العمل التدريجي والمناسب مع الأحاسيس الجسدية، ويساعد على التخفيف من التوتر، وتعزيز الشعور بالأمان الداخلي، واستعادة التوازن للجهاز بأكمله.
من المؤهل لتقديم هذا النوع من العلاج: يُقدَّم من قبل معالجين ومعالجات تلقّوا تدريبًا متخصصًا في هذا المجال.
العلاج الجماعي
هو مساحة مشتركة، تُدار بإشراف مهني، حيث يساهم تبادل الخبرات والإصغاء المتبادل في خلق تعلّم مشترك، وتوسيع الفهم، وتعزيز الشعور بالانتماء، بما يدعم النمو الشخصي وإحداث التغيير. وفي هذه المساحة، يشكل المشاركون أنفسهم مصدرًا للدعم والتغيير لبعضهم البعض .وفي كثير من الأحيان، فإن مجرد اللقاء بأشخاص يواجهون هم أيضًا صعوبات مشابهة يخفف من الشعور بالوحدة، ويتيح النظر إلى الصعوبات من زوايا جديدة، كما يساعد على التعرف إلى أساليب مختلفة للتعامل معها. كما تتيح المجموعة فرصة لفهم أنماط العلاقات مع الآخرين داخل بيئة علاجية داعمة، والتدرب على أساليب جديدة في التواصل والتعامل.
العلاج باللعب (Play Therapy)
هو أسلوب علاجي مخصص بالدرجة الأولى للأطفال، ويستند إلى الفهم بأن اللعب هو وسيلة التعبير الطبيعية والرئيسية لدى الأطفال. فبينما يستخدم البالغون اللغة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، يعبّر الأطفال عن عالمهم الداخلي من خلال اللعب والخيال.
العلاج الثنائي (Dyadic Therapy)
هو أسلوب علاجي يركّز على العلاقة بين الطفل وأحد والديه (أو مقدم الرعاية الرئيسي)، انطلاقًا من أن العلاقة الأولى بينهما تُعد عاملًا أساسيًا في النمو العاطفي والاجتماعي للطفل. وفي إطار هذا العلاج، يحضر الوالد والطفل معًا إلى الجلسات مع المعالج أو المعالجة، وقد تتضمن العملية العلاجية أيضًا جلسات منفصلة مع الوالد عند الحاجة. ويركّز العلاج على التفاعل بينهما، مثل كيفية التواصل، والتعبير عن المشاعر، والاستجابة المتبادلة، والتعامل مع المواقف الصعبة.
علاجات أخرى
توجد أيضًا أنواع أخرى من العلاجات، تقدم استجابة شاملة ذات خصائص مميزة وأكثر ملاءمة لاحتياجات مختلفة، مثل العلاج بالفنون، والعلاج بمساعدة الحيوانات، والعلاج الزوجي والعائلي .ومن المهم الإشارة إلى أن الدمج بين مناهج علاجية مختلفة يتيح، في كثير من الأحيان، عملية علاجية أكثر دقة وفاعلية. لذلك، من المهم اختيار إطار علاجي يتناسب مع الاحتياجات الشخصية لكل فرد.
د. عدي لافي-روتنبرغ هي أخصائية نفسية تأهيلية خبيرة، وعضوة خبيرة في إيت"ا (الجمعية الإسرائيلية للعلاج السلوكي والمعرفي). تعمل أخصائية نفسية في عيادة زوهار التابعة لـلمركز الطبي رمبام، كما تُحاضر في قسم الصحة النفسية المجتمعية في جامعة حيفا.
ليئات أريئيل هي أخصائية نفسية سريرية خبيرة، مشرفة مهنية ومحللة علاج جماعي. تشغل منصب مديرة منظومة الخدمات النفسية في المركز الطبي رمبام في حيفا. كما تشغل منصب رئيسة مدرسة تطبيقات علم النفس، رئيسة برنامج العلاج النفسي ضمن برامج التعليم المستمر في كلية الطب – التخنيون.