ما هي الوحدة؟
في عالمنا المعاصر، ومع التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الغربي، طرأت تغييرات على بنية الأسرة ونمط السكن، وانتقلنا إلى حياة أكثر انفصالاً وفردية. فبعد أن كانت الأسرة الممتدة تعيش معاً كوحدة واحدة، باتت كل أسرة مُصغّرة اليوم تعيش منفصلة. إضافة إلى ذلك، تسارعت وتيرة الحياة بشكل كبير، وأصبح لكل فرد أدوار متعددة وأعباء مختلفة، فضلاً عن فيض من المحفزات. ومن جهة أخرى، دخلت التكنولوجيا، كشبكات التواصل الاجتماعي وسيطرت الشاشات على حياتنا. كل هذا يساهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات الشعور بالوحدة: فالناس أصبحوا أقل تفرغًا للآخرين، يعيش كل فرد في مكان مختلف، ولا تُلبى الاحتياجات الاجتماعية دائماً بسبب التكنولوجيا. في كثير من الأحيان، لا ندرك لأي درجة لا تلبي الشاشات احتياجاتنا العاطفية والاجتماعية، حتى نواجه الشعور بالوحدة وآثارها حين ندخل في دوامة من العزلة.
في العالم المعاصر، ومع التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الغربي، طرأت تغييرات على بنية الأسرة ونمط السكن، وانتقلنا إلى حياة أكثر انفصالاً وفردية. فبعد أن كانت الأسرة الممتدة تعيش معاً كوحدة واحدة، باتت كل أسرة مُصغّرة اليوم تعيش منفصلة. إضافة إلى ذلك، تساهم وتيرة الحياة السريعة، والضغوطات، والشاشات التي ترافقنا في كل لحظة تقريباً، في ازدياد الشعور بالوحدة: فالناس أقل تفرغًا للآخرين، ويعيش كل فرد في مكان مختلف، ولا يتم تلبية الاحتياجات الاجتماعية دائماً. صحيح أن شبكات التواصل الاجتماعي تُعطي شعوراً بالترابط، لكنها لا تُشبع دائماً الحاجة الحقيقية إلى التقارب الإنساني. أحياناً لا نُدرك الشعور بالوحدة وآثارها إلا عندما ندخل في دوامة من المشاعر السلبية.
الشعور بالوحدة هو شعور سلبي ينشأ عن الفجوة بين ما نتمناه في علاقاتنا الاجتماعية وما يحدث فعلياً. غالباً ما ينبع هذا الشعور من نقص أو تراجع الروابط الاجتماعية. قد يحدث ذلك في فترة المراهقة، نتيجةً لصعوبات اجتماعية مع الأقران، أو اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تُقدم بالضرورة حلاً جذرياً للوحدة على المدى الطويل، أو في سن الشيخوخة، بعد فقدان أشخاص مقربين وذوي أهمية، التقاعد من العمل وتراجع القدرة الوظيفية. يمر معظم الناس بلحظات معينة من الوحدة، مثلاً في عطلات نهاية الأسبوع أو في الأعياد، بينما يشعر البعض بالوحدة معظم الوقت، وهو ما يُعرف أحياناً بـ"الوحدة المزمنة".
أحيانًا قد تشعر بالوحدة حتى وأنت محاط بالناس، إذا شعرتَ بأنك غير مفهوم أو ليس لديك من تشاركه ما تمرّ به. إنها تجربة قد نمرّ بها جميعًا في أوقات معينة، وهي تدلّ على حاجة الإنسان الفطرية إلى التقارب، الاستماع والانتماء. يتجنّب الكثيرون الحديث عن الوحدة، ظنًّا منهم أنها ضعف أو أن الآخرين لن يفهموا الأمر، ولكن من المهم أن تعرف أنه لا عيب في الأمر - إنها مشاعر إنسانية تستحقّ الإصغاء إليها والاهتمام بها، وهناك طرق عديدة للتعامل معها.
للوحدة تأثير بالغ على الصحة النفسية والجسدية، وعلى جودة الحياة وطولها، تمامًا كعوامل الخطر الأخرى مثل التدخين. تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجسدية، التدهور المعرفي وفقدان سنوات من العمر. ورغم البيانات البحثية التي تؤكد أهمية هذه المشكلة وتأثيراتها على جوانب عديدة من الحياة، إلا أنها لا تحظى في كثير من الأحيان بالاهتمام والعلاج الكافيين.
أنواع الوحدة
- التغييرات في روتين الحياة: قد يصاحب التغييرات، حتى تلك التي يُنظر إليها على أنها إيجابية ومرغوبة، مثل الانتقال إلى مدينة جديدة أو بدء الدراسة أو وظيفة جديدة، شعور بالوحدة.
- الصعوبات الاجتماعية والأسرية: مواقف مختلفة، بعضها مستمر، مثل الافتقار إلى علاقات ذات معنى أو تلقي ردود فعل من المحيط لدرجة الشعور بالشفافية وعدم الرؤية، أو مواقف الرفض الاجتماعي، التشهير، التنمر وما إلى ذلك. وقد تكون أزمات أو مواقف حادة في أعقاب شجار أو نزاع يتسبب في انقطاع التواصل لفترة معينة من الزمن، وحتى فقدان أحد الأحباء.
- الأمراض الجسدية والنفسية: قد تؤدي الأمراض، مثل أمراض القلب أو السرطان، أو الاضطرابات النفسية كالاكتئاب، إلى الشعور بالوحدة. وقد لا يكون تقبّل المرض سهلاً على المحيطين بالمريض. غالباً ما يصبح المرض محور حياة المريض، لدرجة أن تركيزه، على المستوى النفسي وأيضًا على مستوى العادات الحياتية، ينصبّ فقط على العلاج والتأقلم. في هذه الحالة، قد تتأثر العلاقة المتبادلة بين المريض وأصدقائه وأفراد أسرته.
- الإعاقة أو القصور الوظيفي أو الحسي: قد تُصعّب الإعاقات الحسية، مثل ضعف السمع أو البصر، أو الإعاقات الجسدية التي تؤثر على الحركة والأداء اليومي، التواصل بين الأشخاص، والقدرة على إنشاء علاقات اجتماعية جديدة والمشاركة الفعالة فيها.
- سمات الشخصية: يميل بعض الناس إلى الانطواء، الخجل أو انخفاض تقدير الذات، مما قد يجعل من الصعب تكوين علاقات اجتماعية وثيقة، خاصة في المواقف الجديدة.
- وسائل التواصل الاجتماعي: على الرغم من أنه تم تصميمها لزيادة التواصل بين الناس، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تُفاقم أحيانًا مشاعر الوحدة. فعندما نرى الآخرين سعداء ومحاطين بالأصدقاء، أو عندما تتم معظم علاقاتنا عبر الشاشات، قد تزداد مشاعر الانفصال والوحدة. يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي ملاذًا، لكنها لا تُغني عن العلاقات الاجتماعية الحقيقية. ومع ذلك، لها جوانب إيجابية أيضًا: فهي تُتيح لنا توسيع دائرة معارفنا، إيجاد شركاء وبناء علاقات جديدة. المهم هو استخدامها للتقارب وليس من أجل الابتعاد.
أعراض الوحدة
جميعنا نشعر بالوحدة أو بنقص التواصل الاجتماعي من حين لآخر، إنها تجربة إنسانية طبيعية. متى إذًا يمكننا القول إن هناك مشكلة وحان الوقت لطلب المساعدة؟ عندما يرافقنا شعور الوحدة معظم اليوم وتؤثر أعراضه على أدائنا في مختلف جوانب الحياة:
أعراض عاطفية ومعرفية
حزن مستمر، شعور بالفراغ أو الضيق، العصبية، انتقاد الذات وتدني تقدير الذات. أحيانًا، يظهر أيضًا نقص التركيز، القلق أو الخوف من المواقف الاجتماعية، إلى جانب رغبة شديدة في التواصل أو التقارب. في الحالات الشديدة، مثل الانقطاع أو العزلة لفترات طويلة، قد تظهر اضطرابات في التفكير أو ارتباك.
أعراض جسدية
التعب ونقص الطاقة، مشاكل النوم مثل صعوبة النوم والاستيقاظ المتكرر، آلام جسدية مثل الصداع والمغص، الميل للإصابة بالأمراض بسبب ضعف جهاز المناعة.
أعراض سلوكية
العزلة وتجنب العلاقات الاجتماعية بسبب الخوف والقلق، الإفراط في استخدام الشاشات (أكثر شيوعًا بين المراهقين)، الأكل العاطفي، الإدمان على المواد المؤثرة على العقل، انخفاض المبادرة والدافعية، تغيرات في الروتين اليومي، مثل التوقف عن طهي الطعام لنفسك والشعور بشكل عام بانخفاض الشهية، وإهمال المظهر الخارجي وغير ذلك.
من المهم التأكيد
من المهم التأكيد
على أن معظم الأعراض تشبه إلى حد كبير أعراض الاكتئاب، لذلك إذا ظهرت، يُنصح باستشارة طبيب الأسرة وتلقي العلاج المناسب إذا لزم الأمر.
تأثير الوحدة على الحالة الصحية
- تشير الدراسات إلى أن الشعور المزمن بالوحدة يرتبط بتضرر الجهاز المناعي للجسم وظهور الالتهابات، زيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية، وقد يزيد حتى من خطر الوفاة.
- ترتبط الوحدة أيضًا بظهور الخرف ومرض الزهايمر والتدهور المعرفي العام.
- للوحدة تأثير سلبي على أمراض أخرى، مثل مرض السكري من النوع الثاني.
- يمكن أن تتسبب الجوانب السلوكية، مثل العزلة ، التجنب، اضطرابات النوم وسوء التغذية، في مشاكل صحية، على سبيل المثال متلازمة التمثيل الغذائي.
- يرتبط الشعور بالوحدة بزيادة التوتر، مما يؤدي إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، الأمر الذي يُضعف فعالية الجهاز المناعي مع مرور الوقت. كما أن التوتر المستمر يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
التأثير على الصحة النفسية
عندما تستمر الوحدة لفترة طويلة، فإنها يمكن أن تؤثر على الصحة البدنية والنفسية بطرق متنوعة:
- تُعدّ الوحدة من أهمّ العوامل المُنبئة بظهور الاكتئاب أو القلق لدى كلٍّ من الشباب وكبار السن. وترتبط آلية الاكتئاب، من بين أمور أخرى، بتفسير سلبي للمواقف الاجتماعية يتمحور حول مشاعر انعدام القيمة - ممّا قد يؤدي إلى الانعزال والانفصال، وتفاقم الشعور بالوحدة. أما في حالة القلق، فيتمحور محتوى التفكير حول أفكار سلبية، وأحيانًا أفكار مُلحّة ومتكررة، ممّا قد يُسبّب الانعزال، ضعف المهارات الاجتماعية وتفاقم القلق الاجتماعي.
- قد تؤدي الوحدة أيضاً إلى ضعف في التنظيم العاطفي، الانتباه والتركيز وفي الذاكرة.
- هناك صلة بين الشعور بالوحدة المزمنة والانتحار ومحاولات الانتحار، وخاصة في سن المراهقة والشيخوخة، ويرجع ذلك أساسًا إلى الشعور بفقدان المعنى، اليأس وانعدام الأمل، إلى جانب نقص القوة الداخلية ونقص الدعم العاطفي والاجتماعي الكافي.
على الرغم من أن تأثيرات الوحدة على الصحة البدنية والنفسية قد تكون صعبة، إلا أنها ليست حتمية. هناك العديد من الطرق للتعامل مع الوحدة، ومنع تفاقم أعراضها وآثارها السلبية على الصحة البدنية والنفسية. يكمن الحل في التعرف على العلامات مبكرًا وطلب المساعدة عند الحاجة
ساعدت في كتابة المقال: ليئور غوري، طالبة للقب الثاني في علم النفس، قسم الصحة النفسية، وزارة الصحة