الأسرة والوالدية في مواجهة الأزمات
إذا كان هناك شيء علّمتنا إياه السنوات الأخيرة، فهو أن الحياة لا تسير دائمًا وفق خططنا. يبدو أننا ما إن ننجح في التأقلم مع واقعٍ معيّن، حتى نجد أنفسنا أمام واقع جديد. وقد أصبح عدم اليقين، والتغيرات السريعة، والتوترات الاجتماعية والسياسية، والحرب، والضغوط الاقتصادية جزءًا من الحياة اليومية لدى كثيرين منا.
في عصرنا الحالي، يبدو أن التوقعات من الأهل أصبحت أعلى من أي وقت مضى. فإلى جانب الحب، والشعور بالرضا والمعنى، تُعدّ الوالدية أيضًا مسؤولية جسدية وعاطفية متواصلة، لا توجد فيها فعليًا فترات راحة أو إجازات. يجب الاستيقاظ صباحًا، وتحضير وجبة العشاء، وتهدئة المخاوف، ووضع الحدود، والاستمرار في إدارة شؤون المنزل، وكل ذلك بالتوازي مع التعامل مع ما يحدث خارجه: الحرب، وعدم اليقين، والتوتر المستمر.
يُفيد كثير من الأهل بأنهم يعانون من الإرهاق العاطفي، وحالة دائمة من التأهب، وصعوبة في التركيز، وسرعة الانفعال، والشعور بفقدان السيطرة، وأحيانًا أيضًا بانخفاض مستوى الصبر تجاه الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، يشعر كثير من الأهل بوجود فجوة بين الطريقة التي يرغبون في أداء دورهم بها وبين قدراتهم الفعلية كوالدين.
ويسألون أنفسهم: ماذا سيتذكر أطفالي من هذه السنوات؟ ما الذي فعلناه بشكل صحيح، وما الذي فاتنا؟ وهناك سؤال يكاد يراود كل والد أو والدة مستعدين لطرحه بصوت عالٍ: هل فعلت ما يكفي؟
والإجابة المختصرة هي: نعم. وجودكم إلى جانب أطفالكم، حتى عندما كنتم متعبين، وحتى عندما لم تعرفوا ماذا تقولون، هو أهم من كل شيء.
صاغ المحلّل النفسي البريطاني الدكتور دونالد وينيكوت مفهوم "الأم الجيدة بما يكفي" (The good enough mother)، وقد تم تحديث هذا المصطلح لاحقًا في الأدبيات المهنية إلى "الوالد الجيد بما يكفي"، ليعكس دور كلا الوالدين.
والمقصود هنا ليس الوالدين المثاليين، بل الوالدين القادرين على البقاء مصدرًا للاستقرار والأمان لأطفالهم في معظم الأوقات، حتى عندما يشعرون بالتعب، أو ينهارون، أو يرتكبون الأخطاء.
لا يحتاج الأطفال إلى والدٍ يُظهر أمامهم صورةً من الكمال. فعندما يستطيع الوالد أن يقول: "أمرّ بوقت صعب الآن"، وأن يعتذر إذا تصرّف بغضب، ثم يعود ليكون قريبًا ومتاحًا عاطفيًا، يتعلّم الطفل أو الطفلة أن من الطبيعي أن نشعر، وأن نخطئ، وأن نُصلح ما حدث. ومن المهم ألّا نُحمّل الأطفال هموم البالغين ومخاوفهم، بل أن نُظهر لهم أنه يمكن التحدث عن الصعوبات والاستمرار في مواجهتها والتعامل معها.
الأطفال يعرفون أكثر مما نعتقد — وهذا أمر طبيعي
يحاول كثير من الأهل إخفاء القلق والخوف والتوتر عن أطفالهم. وهذا بالطبع نابع من غريزة أبوية طبيعية، لكن الأطفال، وحتى الصغار جدًا، يلتقطون تحديدًا ما لا يُقال، وما يكمن خلف الكلمات: التوتر في نبرة الصوت، انقطاع النفس عند تشغيل الراديو، تعابير الوجه عند وضع الهاتف جانبًا، وغير ذلك.
وكلما حاولنا حماية الأطفال من الواقع عن طريق الصمت، ازداد احتمال أن يملؤوا الفراغات في المعلومات بخيالهم، وخيال الأطفال قد يكون أحيانًا أشد قسوة من الواقع نفسه.
فماذا يُفضَّل أن نشاركهم؟ الحقائق الأساسية بلغة بسيطة، مثل " :نعم، هناك حرب. نحن بأمان الآن. نحن نحميك."
وماذا يُفضَّل أن نحتفظ به لأنفسنا؟ التفاصيل التي لا يستطيع الطفل أو الطفلة استيعابها، والمخاوف التي لم نتمكن نحن أنفسنا من معالجتها بعد، والقلق الذي لا فائدة من مشاركته.
الرسالة الأهم هي أنه ليس من الضروري التظاهر بأن كل شيء طبيعي. يمكن القول: "أنا أيضًا أمرّ بوقت صعب قليلًا الآن"، "أنا قلقة، لكننا معًا"، "هناك أمور لا نعرفها، لكننا نفعل ما بوسعنا لنحافظ على سلامتنا."
ماذا نقول للأطفال بحسب العمر؟
في كل عمر، يُفضَّل أن نبدأ بالسؤال نفسه: ماذا سمعتم حتى الآن؟
معظم الأطفال سمعوا شيئًا ما، حتى الصغار منهم، وليس دائمًا بصورة دقيقة. لذلك تكون إجابتهم هي نقطة البداية للحوار. وما يختلف بحسب العمر هو مقدار التفاصيل، وطريقة التعبير، وما نختار عدم مشاركته.
عناصر الرسالة المشتركة بين جميع الأعمار:
- أن تكون الرسالة واقعية وواضحة: نقدّم معلومات محددة، وما لا نعرفه بشكل مؤكد لا نقوله.
- تشجيع التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحدث.
- السيطرة على الوضع: نحن، الكبار، نعرف ماذا نفعل. وهناك تعليمات من قيادة الجبهة الداخلية، أو الطبيب، أو البلدية.
- قواعدنا داخل الأسرة: لكل واحد منا دور. نهتم بالجميع ونحافظ على سلامة الجميع.
من المهم أن نتذكّر:
من المهم أن نتذكّر:
العمر ليس سوى جزء من الصورة. فطريقة استجابة الطفل أو الطفلة للأزمة تعتمد أيضًا، وربما بشكل أساسي، على شخصيتهما وعلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة.
الصمود الوالدي: لا تتحمّلوا كل شيء بمفردكم
قبل أن نتحدث عن الأسرة بأكملها، من المفيد أن نتوقف ونسأل أنفسنا:" ماذا يحدث معي أنا؟"
ربما أصبحت كلمة "الصمود" مستهلكة بعض الشيء في السنوات الأخيرة بسبب كثرة استخدامها. لكن الصمود الوالدي لا يعني أن نكون أقوياء طوال الوقت، ولا يتعلق فقط بالتغلب على الصعوبات، بل بالقدرة على الانحناء أمام العاصفة ثم العودة إلى الوقوف من جديد. الصمود ليس صفة إما أن نمتلكها أو لا نمتلكها، بل هو نسيج يتكوّن من عدة عناصر، ويمكن تدريب كل عنصر منها وتقويته.
فما الذي يمكن فعله من أجل تعزيز الصمود الوالدي وبنائه؟
-
الروتين كمرساة
حتى عندما يصبح الواقع غير مستقر، يمنح الروتين الثابت الأطفال شعورًا بالسيطرة والأمان. مثل تناول الوجبات في أوقات منتظمة، والحفاظ على موعد ثابت للنوم، وتخصيص عشر دقائق يوميًا لـ"حديث عن اليوم". لا حاجة إلى أن نكون مثاليين، بل يكفي أن نكون ثابتين ومتّسقين.
-
منح الشرعية للتعبير عن المشاعر
الوالدان اللذان يسمحان لأنفسهما بالبكاء، والخوف، والاعتراف بالألم، يعلّمان أطفالهما أن المشاعر ليست شيئًا خطيرًا. لسنا مضطرين إلى إظهار القوة والشجاعة طوال الوقت، بل يكفي أن نكون إنسانيين.
-
المساعدة المتبادلة
نحن كائنات اجتماعية، ومن المهم أن نعتني بعلاقاتنا مع من حولنا، مثل الأسرة والأصدقاء والجيران. طلب المساعدة لا يعني الضعف، بل يدل على معرفة كيفية الاستعانة بالآخرين عند الحاجة.
-
الاهتمام بأنفسكم أيضًا
يؤجّل كثير من الأهل احتياجاتهم الشخصية إلى حين أن "يهدأ الوضع". لكن في واقعٍ يسوده التوتر المستمر، لا يمكن دائمًا الانتظار. النوم، التغذية، الحركة، فترات الراحة القصيرة والوقت المخصص لالتقاط الأنفاس ليست رفاهية، بل هي جزء أساسي من القدرة على الاستمرار في رعاية الأسرة ودعمها على المدى الطويل.
يُبنى الصمود الوالدي من القدرة على الاعتناء بأنفسنا، وإتاحة مساحة للتنفس والفعل والتحقق الذاتي خارج نطاق الدور الوالدي. الفكرة هي اكتشاف الأشياء التي تقويكم، وتجعلكم تشعرون بالارتياح، وتساعدكم على التكيف عند الحاجة، على سبيل المثال: النشاط البدني، والإبداع، وقراءة كتاب جيد، والتنزه في الطبيعة، أو الجلوس في مقهى مع صديق أو صديقة. هذا صحيح على المستوى الشخصي، في ما بينكم وأنفسكم، وكذلك على المستوى الزوجي والأسري. كما أن الروتين المستقر، والحوار المفتوح، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء وفحص كيفية القيام بالأمور بشكل مختلف، تُعدّ أموراً مهمة أيضاً.
الصمود الأسري: قوة نبنيها معًا
إلى جانب احتياجات كل والد ووالدة على حدة، هناك بُعد إضافي لا يحظى دائمًا بالاهتمام الكافي، وهو صمود الأسرة كوحدة متكاملة. فالشعور العائلي بـ"أننا معًا" يشكّل مصدر قوة يحصل منه جميع أفراد الأسرة على الدعم.
فالأسرة التي تتجاوز الأزمة ليست أسرة لم تواجه صعوبات، بل أسرة طوّرت لغة مشتركة تتيح التعبير عن الصعوبة، وفي الوقت نفسه إظهار الدعم والمحبة.
إليكم بعض الطرق التي يمكن من خلالها تعزيز الترابط الأسري، وخصوصًا في مثل هذه الفترات:
متى ينبغي طلب المساعدة؟
إذا شعرتم بوجود تغيير مستمر لدى طفلكم أو طفلتكم، فمن الأفضل التوجّه للحصول على مساعدة مهنية. والمقصود هنا هو تغيير ملحوظ ومهم في سلوك ابنكم أو ابنتكم، مثل:
- تغيّر واضح في النوم، الأكل أو الأداء اليومي.
- الانعزال أو تجنّب أمور كانوا يحبون القيام بها.
- نوبات غضب غير معتادة أو توتر مرتفع يستمر لفترة طويلة.
- ظهور سلوكيات جديدة تبدو كمحاولة لتهدئة النفس.
وعند الحاجة، يمكن التوجّه للحصول على استشارة ومساعدة مهنية من خلال الإرشاد الوالدي، أو العلاج الثنائي بين الوالد والطفل، أو العلاج الأسري.
هناك عدة جهات يمكنها تقديم المساعدة في مثل هذه الحالات:
- أطباء وطبيبات العائلة أو الأطفال.
- خدمات الصحة النفسية التابعة لصناديق المرضى.
- المختصون والمختصات في الأطر التعليمية، مثل المستشارين التربويين والأخصائيين النفسيين في الخدمات النفسية التربوية.
- مراكز الصمود المجتمعي.
- خطوط المساعدة والدعم النفسي.
- مراكز سلامة الأسرة التابعة للسلطات المحلية. ويتم التوجّه إلى هذه المراكز غالبًا بشكل مباشر من خلال قسم الخدمات الاجتماعية في السلطة المحلية، حيث تتم الإحالة إلى مختصين مؤهلين.
من المهم أن نتذكّر
من المهم أن نتذكّر
أحيانًا تبدأ أفضل طريقة لمساعدة الأطفال من توجّه الوالد أو الوالدة أنفسهم للحصول على العلاج، ليس من أجلهم فقط، بل من أجل أطفالهم أيضًا. فالوالد الذي يحصل على مرافقة ودعم مهني يصبح أكثر قدرة على التفرّغ عاطفيًا لأفراد أسرته، ويبدأ في التعامل معهم بطريقة أكثر احتواءً وفاعلية.
في الختام، قد لا تكون لدينا دائمًا الإجابات الصحيحة، وقد لا نعرف دائمًا ماذا نقول للأطفال عندما يسألون: "لماذا توجد حرب؟" أو "متى سينتهي هذا؟". ومع ذلك، تكون صراحتنا أحيانًا أفضل من أي إجابة مصاغة بعناية، ومن الطبيعي أن نقول: "لا أعرف متى سينتهي هذا، لكننا سنتجاوز هذه الفترة معًا."
العائلات التي نجحت في تجاوز فترات معقدة لم تنجح لأنها كانت تعرف جميع الإجابات، ولا لأنها لم ترتكب أخطاء. بل استطاعت التكيّف لأنها لم تتخلَّ عن الترابط الأسري، وجلست معًا حول مائدة الطعام حتى في الأيام التي لم يكن فيها كل شيء على ما يرام، ووجدت طريقة للتعبير عن المحبة حتى عندما كانت الظروف صعبة.
وهذا، في نهاية المطاف، هو أساس الصمود الأسري: ليس خطة مثالية للتصرف، بل حضورًا إنسانيًا، ثابتًا ودافئًا.
ما يصعب قوله: الحلقة 3 – الوالدية | بودكاست مع آسي عازر
https://www.youtube.com/embed/rCa5vvMfTRA?si=fcD7elaNiddCQlQ0%22?rel=0
نسرين قادري – ليلة سعيدة
كُتبت الأغنية ضمن حملة تتناول موضوع الصحة النفسية والقلق. أغنية "ليلة سعيدة" من كلمات آسي عازر وآفي أوحيون، وألحان آسي عازر وآفي أوحيون ودانيئيل فايس، وأداء نسرين قادري.
https://www.youtube.com/embed/VrPd3O6dA18?si=4BG3fwOfRfIPq-A7?rel=0