علاج الاكتئاب
الاكتئاب الشديد هو اضطراب نفسي قابل للعلاج. تتوفر اليوم خيارات علاجية فعّالة ومتعددة للاكتئاب. وقد أدى التقدم الملحوظ في فهم الآليات الكامنة وراء هذا الاضطراب إلى تطوير أساليب علاجية تُمكّن من ملاءمة العلاج بما يتناسب مع الاحتياجات الفردية لكل فرد. ويكمن سر نجاح العلاج في التشخيص الدقيق والمبكر، ووضع خطة علاجية شاملة مُصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات السريرية والشخصية.
الخطوة الأولى: التوجه لطلب المساعدة
متنوعة للمواقف في الواقع، قد يُوقع الاكتئاب الشخص في فخ اليأس، فقدان الثقة وفقدان القدرة على رؤية مستقبل أفضل، مما يُولد لديه شعورًا بأنه لا مخرج من المأزق وأن الوضع لن يتحسن أبدًا. هذا اليأس ليس مجرد عرض، بل هو جزء أساسي من الاضطراب نفسه. لذلك، يُعد الدعم الخارجي - العائلي والاجتماعي، بالإضافة إلى تلقي العلاج المهني - بالغ الأهمية والضرورة. قد يكون التوجه الأولي صعبًا، خاصةً بالنسبة للأشخاص المصابين بالاكتئاب. ففي بعض الأحيان، يصعب عليهم الاعتراف بالحاجة إلى المساعدة، أو قد لا يكونون متأكدين ممن يلجأون إليه، وقد يكون هناك أيضًا خوف من رد فعل المحيطين بهم، أو من مجرد الانكشاف أمام شخص غريب.
هذه المشاعر طبيعية وشائعة، لكن من المهم ألا تدعها تمنعك من الحصول على المساعدة التي تحتاجها. طلب المساعدة خطوة شجاعة ومسؤولة، وقد يكون بداية تغيير جذري. الاكتئاب قابل للعلاج، وبالمساعدة المناسبة، يمكنك العودة إلى حياة كاملة ومرضية.
من المهم أن تتذكر
من المهم أن تتذكر
حتى لو لم تتمكن من إيجاد علاج، حتى لو استغرق الأمر الكثير من الوقت والصبر، وحتى لو لم ينجح العلاج الأول والثاني وحتى الثالث، فإن الطب ومنظومة الصحة النفسية لديهما العديد من الأدوات للمساعدة.
الإحالة إلى العلاج
هنالك عدة قنوات يمكن اللجوء إليها لتلقي العلاج للإكتئاب:
طبيب العائلة
يمكنك الحصول على استشارة طبية جيدة ومهنية من طبيب العائلة، الذي عادةً ما يكون على علاقة شخصية معك وعلى دراية بحالتك الصحية. يمكن لأطباء العائلة وصف الأدوية، إحالتك إلى العلاج الداخلي لتلقي علاجات مكثّفة بشكل أكبر، أو إلى قسم الطوارئ، إذا كنت تعاني من اكتئاب حاد، آثار جانبية خطيرة، ميول انتحارية محتملة، أعراض ذهانية مصاحبة للاكتئاب، وغيرها.
داعمي الصحة النفسية
في المواقف التي تظهر فيها أعراض تتراوح شدتها من خفيفة إلى متوسطة، يمكن لطبيب الأسرة أو مقدم خدمات فرز الصحة النفسية إحالة الحالة إلى تدخل مستهدف من قبل داعمي الصحة النفسية.
قنوات علاج الصحة النفسية:
علاج الصحة النفسية متعدد التخصصات، ويتم تقديمه من خلال عدة قنوات مختلفة ووفقًا للاحتياجات السريرية - على سبيل المثال، مراكز الدعم، العيادات، جلسات علاجية باستخدام تقنيات مختلفة، العلاجات النهارية، بدائل الاستشفاء الجماهيرية، الاستشفاء في المستشفيات وغيرها.
أنواع العلاج
إذا شُخِّصتَ أنت أو أحد أقاربك باضطراب اكتئابي، فمن المرجح أن تُنصح بطلب مساعدة طبية متخصصة. إليك بعض خيارات العلاج المتاحة حاليًا:
العلاج النفسي
يعد العلاج النفسي من خلال المحادثات خط العلاج الأولي للاكتئاب ويمكن أن يعلمك طرقًا جديدة للتفكير والتعامل
العلاج الدوائي
يعتمد قرار توفير العلاج الدوائي لاضطراب الاكتئاب على نوع الأعراض، شدتها، تأثيرها على الأداء ورغبات المريض. يُتخذ قرار تلقي العلاج بالشراكة مع المريض، بعد تزويده بجميع المعلومات المتعلقة به، فوائده بالإضافة إلى آثاره الجانبية، والبدائل المتاحة. في كثير من الأحيان يمكن علاج الاكتئاب بمجموعة متنوعة من علاجات الصحة النفسية الأخرى غير الدوائية. ومع ذلك، كلما كانت عملية التكيف أكثر حدة وتعقيدًا، زادت احتمالية التوصية بمزيج من العلاج الدوائي والعلاج النفسي، وعادةً ما يكون أكثر فعالية من استخدام كل منهما على حدة.
طرق أخرى لتقليل الأعراض والوقاية
يؤثر التعامل مع الاكتئاب على الأداء في جميع جوانب الحياة تقريبًا، بما في ذلك النوم، الشهية، العلاقات الاجتماعية، العمل، والدراسة وغيرها. من المهم إدراك أن جزء من العلاج المهني يتمثل في تحسين الوظائف اليومية واكتساب الأدوات والمهارات اللازمة لتخفيف التوتر النفسي. كل ذلك يعزز المرونة النفسية، ويمكن أن يساعد، إلى جانب عوامل الدعم البيئي، في الوقاية. المبادئ الأساسية التي من المهم تطبيقها جنبًا إلى جنب مع العلاج النفسي:
-
الحفاظ على نمط حياة صحي
اتباع نظام غذائي متوازن، النوم الجيد في الليل واليقظة أثناء النهار، ممارسة النشاط البدني بانتظام (مثل اليوجا، المشي والسباحة)، العمل وممارسة الأنشطة الترفيهية قد يحسن المزاج ويزيد مستويات الطاقة.
-
تقليل التوتر
تبني عادات وأنشطة تساعدك على الشعور بالراحة والاسترخاء، على سبيل المثال: التنزه مع الكلب، المشي في الحديقة، الاستماع إلى الموسيقى، الانشغال في الإبداع والفن، أخذ استراحة لتناول القهوة مع صديق، ممارسة اليقظة، التأمل أو اليوجا، والمزيد - كل شخص وما يجعله يشعر بالراحة.
-
تحديد الأهداف والغايات في الحياة
الحفاظ على النشاط، المشاركة في الأنشطة ووضع التحديات يُحسّن المزاج ويعزز الثقة بالنفس. يُنصح بتقسيم الأهداف إلى خطوات صغيرة وواقعية، على المستوى اليومي، الأسبوعي والسنوي. من المهم أيضًا استيعاب العقبات التي قد تواجهك على طول الطريق، وتعديل الأهداف والمسار والجدول الزمني من حين لآخر بما يتناسب مع مختلف القيود الواقعية.
-
الحفاظ على الروابط الاجتماعية وشبكات الدعم
: بناء علاقات اجتماعية قوية كجزء من روتينك اليومي يُساعدك على التكيف مع المواقف الصعبة. يمكن للتحدث مع المقربين ومشاركتهم أن يُشعرك بالراحة والقوة. كما أن المشاركة في مجموعات الدعم أو طلب الدعم المهني المجهول عبر الإنترنت وسيلة فعّالة للتأقلم والحصول على المساعدة.
كل هذه العوامل تساعد في التعامل مع الاكتئاب، ولكنها تساعد أيضًا في الوقاية من الوقوع في الاكتئاب وأي أزمة نفسية أخرى، لذلك فإن قيمتها مضاعفة.
الاكتئاب المقاوِم للعلاج
لن يستجيب حوالي ثلث المرضى بشكل كافٍ للعلاجات المختلفة وسيتم تعريفهم على أنهم يعانون من الاكتئاب المقاوِم للعلاج. يُعرّف الاكتئاب المقاوم للعلاج (TRD - Treatment Resistant Depression) بأنه الاكتئاب الذي لم يستجب لاثنين على الأقل من مضادات الاكتئاب من عائلات مختلفة، لفترات زمنية كافية وبجرعات مناسبة. هذا التعريف، المستخدم بشكل رئيسي في الأبحاث، يجب ألا يركز على اليأس، بل على الحاجة إلى البحث عن علاجات متقدمة، أو التفكير خارج الصندوق. تعريف آخر وأكثر ملاءمة للاكتئاب الذي لا يستجيب بشكل كافٍ للعلاج هو الاكتئاب صعب العلاج (DTD - Difficult to Treat Depression)، والذي يُعرّف بأنه الاكتئاب الذي يستمر في التسبب في ضائقة كبيرة على الرغم من جهود العلاج القياسية. هذا النهج متعدد الأبعاد ويتضمن عوامل إضافية تتجاوز مقاومة العلاج الدوائي.
يواجه مرضى الاكتئاب المقاوِم أو صعب العلاج أمراضًا أشد وطأة وأطول أمدًا، ويحتاجون إلى مزيد من خدمات الصحة النفسية والعامة، وهم أكثر عرضة للانتحار. يتطلب التعامل مع الاكتئاب المقاوِم أو صعب العلاج موارد وقوة نفسية أكبر من المريض وأفراد أسرته والمجتمع. كما يتطلب علاجهم موارد أكبر، على مستوى صناديق التأمين الصحي والدولة، مثل العيادات المتخصصة للاكتئاب المقاوِم والمجهزة بتقنيات وتخصصات أوسع.
علاجات متقدمة أثبتت فعاليتها ضد الاكتئاب المقاوِم
الأفكار الانتحارية
في كثير من حالات الاكتئاب، تراودنا أفكارٌ عن الموت، تتراوح بين فقدان الرغبة في الحياة ونية الإقدام على الانتحار فعلًا، وقد تصل أحيانًا إلى وضع خطةٍ مُحكمة لذلك. لذا، في هذه الحالات، ينبغي إجراء تقييمٍ للمخاطر على يد مُختصٍّ بشكلٍ عاجل.
في كثير من الأحيان، وبسبب القلق والتوجس، يتجنب أفراد الأسرة والأصدقاء، وحتى المختصون، التحدث مع الشخص عن الانتحار. على سبيل المثال: عندما يقول الشخص عبارات مثل "لقد سئمت الحياة، أريد الموت" - بدلاً من قول "لا تتحدث هكذا، سيكون كل شيء على ما يرام"، من المهم الاستماع إليه، ومعالجة الصعوبة، وسؤاله مباشرةً عما إذا كان ينوي إيذاء نفسه وإنهاء حياته. لا داعي للخوف من أن تزرع هذه الأسئلة أفكارًا في رأسه، وفي حال تأكد الشخص من وجود أفكار انتحارية لديه، من المهم عدم تركه بمفرده والتأكد من حصوله على المساعدة فورًا (يمكنك الاتصال بطبيب الأسرة أو قسم الطوارئ).
الاكتئاب هو اضطراب نفسي بكل المقاييس، وقد يكون أحيانًا اضطرابًا نفسيًا خطيرًا. إذا كنت تعاني من بعض الأعراض المذكورة هنا، فمن المهم استشارة طبيب العائلة للحصول على الاستشارة والفحص والعلاج المناسب - سواءً بالأدوية أو غيرها. من المهم الإشارة إلى أن هناك مجموعة واسعة من الاستجابات للأزمات دون الحاجة إلى تشخيص، إلى جانب علاجات الصحة النفسية التي تهدف إلى علاج الاكتئاب. الاكتئاب حالة نفسية يمكن علاجها بنجاح، ولا داعي للخجل من طلب المساعدة. غالبًا ما تكون هذه الحالة قابلة للشفاء، وكلما كان العلاج مبكرًا، زادت فرص الشفاء.