علاج الاضطرابات الذهانية
إن ظهور الأعراض الذهانية، خاصة عندما تكون نوبة ذهانية أولى، قد يكون مربكًا ومقلقًا سواء للشخص الذي يتعامل معه أو لعائلته ومن حوله. في المقال التالي، سنتناول الخيارات المتاحة أمام المرضى وأبناء عائلاتهم – بدءًا من مرحلة التشخيص وحتى برامج العلاج المختلفة. سنقوم بتفصيل الأدوات العملية للتعامل مع الأعراض وتقديم الأساليب المبتكرة التي تؤكد على هدف التعافي والعودة التدريجية إلى ممارسة الأداء. كل ذلك من منظور يرى الشخص شريكًا فاعلًا ورائدًا في عملية التعافي، ويؤكد على أهمية دعم الأسرة والمجتمع كجزء في هذه الرحلة. كل ذلك من منظور يرى الشخص شريكًا فاعلًا ورائدًا في عملية التعافي، ويؤكد على أهمية دعم الأسرة والمجتمع كجزء في هذه الرحلة
التشخيص
يتكون التشخيص من تقييم شامل، يتضمن أسئلة مفصلة بشأن الماضي الطبي والنفسي، تقييم الحالة النفسية الحالية (الوضع العقلي) وفحص جسدي. لا يوجد في العالم اليوم فحوصات مخبرية وإشعاعية مبنية على الدراسات لتشخيص الاضطرابات النفسية. ومع ذلك، ونظرًا لأن بعض الأعراض قد تشير إلى حالات طبية أخرى، ولاستبعاد وجود سبب جسدي للنوبة الحالية، قد يُطلب من المريض الخضوع لفحوصات تشخيصية إضافية.
يجب أن نتذكر أنه وبما أن الذهان هو في النهاية مجرد عرض وليس مرضًا في حد ذاته، فمن المهم التحقق مما إذا كان هناك سبب آخر له والذي يحتاج الى علاج.
العلاج المبكر يتيح التعافي بشكل أفضل
العلاج المبكر يتيح التعافي بشكل أفضل
وتظهر الدراسات حول هذا الموضوع أن متوسط المدة الزمنية التي تمر بين ظهور الأعراض الأولى وتلقي العلاج تتراوح في المتوسط بين 12 و18 شهرًا. هذه فترة زمنية طويلة نسبيًا، ويبدو أنها تنبع أيضًا من خوف الشخص وبيئته من الاعتراف بالأعراض كجزء من التطور المحتمل لاضطراب نفسي ذهاني وأيضًا الخوف من التصنيف. وفي الوقت نفسه، من المهم معرفة أنه كلما كانت هذه الفترة الزمنية أقصر، كان التشخيص أفضل، والعكس صحيح.
برامج مخصصة للتدخل المبكر
في محاولة لتقصير الوقت بين ظهور الأعراض الذهانية وموعد تلقي العلاج، تم تطوير برامج مخصصة للتدخل المبكر في جميع أنحاء العالم للمرضى الذين عانوا من أول نوبة ذهانية.
ضمن هذه البرامج، يمكن العثور على مجموعة متنوعة من التدخلات العلاجية المبكرة، والتي تتسم بإعطاء الأدوية المضادة للذهان بجرعات منخفضة قدر الإمكان، والعلاج الداعم والموجه للتعافي، بما في ذلك التطرق إلى رغبات الشخص وقدراته، وتحديد الأهداف الشخصية، استخدام التقنيات الذهنية - السلوكية، وزيادة التحفيز، مشاركة ودعم الأسرة وإعادة التأهيل في مجال العمل والتعليم. أي أنه إلى جانب العلاج الدوائي، النفسي والاجتماعي، هناك أيضًا استجابة علاجية شخصية. لا يوجد حل "سحري" مناسب للجميع - فما هو مفيد لشخص قد يكون عديم الفائدة لشخص آخر - والعكس صحيح.
يتطلب العلاج العمل المشترك لفريق متعدد التخصصات يضم خبراء من مجالات مختلفة، بما في ذلك: الطب النفسي ، العمل الاجتماعي ، علم النفس، العلاج الوظيفي، التمريض، الصحة النفسية المجتمعية، العلاج التعبيري والإبداعي وغيرها من المهن الصحية. يجب تقسيم الأدوار بين أفراد الطاقم ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاجتماعات الأسبوعية، التواصل المنتظم والعمل المشترك.
وبالتزامن مع علاج الأعراض، يتم التركيز على تمكين الشخص ودعم جهوده للتعافي من الاضطرابات التي مر بها، التغلب على الوصمات الاجتماعية، استعادة الشعور بالهوية والعودة إلى اكتساب الأدوار الاجتماعية القيمة. بالإضافة إلى تعزيز وتجنيد دوائر الدعم الطبيعية للشخص: الأسرة، الأصدقاء والمجتمع، وكذلك من خلال الأشخاص الذين مروا بتجارب مماثلة، حيث سيلعبون دور فعال في عملية التعافي.
برنامج NAVIGATE
أحد برامج التدخل العلاجي التي تم اختبارها بأكثر الطرق شمولاً وتعمقًا هو برنامج NAVIGATE. هذا البرنامج المجتمعي مخصص للشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عامًا) الذين عانوا من نوبة ذهانية لأول مرة في حياتهم، وهو يقدم استجابة نفسية شاملة في المراحل المبكرة من تأثير الأعراض على أداء الشخص. يجمع البرنامج بين العلاج الدوائي الموجه والعلاج النفسي الاجتماعي الشخصي والعائلي.
تتمثل الأهداف الرئيسية للبرنامج في منح المرضى وأفراد أسرهم دعمًا سريعًا ومتعدد التخصصات في جوانب مختلفة (الوظيفية، العاطفية والتعامل مع الأعراض)، للمساعدة في إعادة اندماج الشخص في بيئته الطبيعية، وفقًا لرغباته، على سبيل المثال في المجال الدراسي أو المهني، مع إكسابه المهارات اللازمة للتعامل الأمثل مع الأعراض الموجودة، وتحسين الأداء اليومي وتعزيز عملية التعافي.
يتم تقديم العلاج ضمن البرنامج في المجتمع، في محاولة لتوفير استجابة ملائمة في البيئة الطبيعية للمريض وفي أسرع وقت ممكن بعد ظهور الذهان.
يتم تطبيق البرنامج في إسرائيل منذ عام 2015، وهو نشط حاليًا في 8 مراكز في جميع أنحاء البلاد: عيادة الصحة النفسية الحكومية في كريات يوفيل، العيادة الخارجية في مركز الصحة النفسية الحكومي مازور، عيادة مركز الصحة النفسية الحكومي ليف هشارون، برنامج "أنوش" في بات يام، المركز الطبي بني تسيون في حيفا، مركز غيها للصحة النفسية في بيتح تكفا، مركز "شالفاتا" للصحة النفسية في هود هشارون وهذه الأيام يتم افتتاح عيادة في مركز الصحة النفسية "مراحفيم" في بئير يعكوف.
التعامل مع حالة الذهان
يشكل التعامل مع نوبة الذهان تحديات كبيرة لكل من الشخص الذي يعاني منها وبيئته المباشرة. وتتمثل المهمة الرئيسية في توخي اليقظة وتحديد العلامات في أقرب وقت ممكن ودعم فرد الأسرة أو الشخص المقرب الذي يتعامل مع حالة حادة يشعر خلالها بالخوف والتهديد. بالإضافة إلى ذلك، وبسبب النوبة الذهانية، فإن قدرة الشخص على شرح ما يحدث له لبيئته محدودة وسلوكه لا يتناسب مع حالته النفسية - لذلك من المهم محاولة احتواء الصعوبة، تجنب الصراعات، تجنب تصديق الأفكار والهلاوس الكاذبة (الهلوسة) وعدم مواجهة الشخص بها، تجنب الخوف والضحك من حوله (لأنه قد يظن أنه يتم الحديث عنه والتآمر عليه). وفي الوقت نفسه، من المهم أيضًا مراعاة مشاعر الشخص وسلوكه وأدائه، حيث أنه يعاني منها حاليًا نتيجة للذهان. على سبيل المثال: إذا كان الشخص خائفًا من المطاردة بسبب الذهان، فلن نشير إلى محتوى الفكرة الخاطئة، وانما فقط إلى الشعور نفسه (الخوف). سنحاول تهدئة الخوف وجعل الشخص يشعر بأننا هنا من أجله. إلى جانب الصبر، التعاطف والاحتواء، من المهم أيضًا الحفاظ على حدود واضحة ومعرفة كيفية الحصول على المساعدة والمشاركة في مهام الرعاية.
يجب التنويه أنه في حالات نوبة الذهان الحادة تتأثر عادات النوم، الأكل والروتين اليومي، لذا من المهم الحرص على إتاحتها للمريض. على سبيل المثال، الحفاظ على ساعات النوم وعدم الاستلقاء على السرير طوال اليوم، والتأكد من عدم إصابة الشخص بالجفاف وأنه يتناول الطعام كما يجب. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي للمرء أيضًا محاولة الحفاظ على روتين مستقر، تجنب الضغوطات والتأكد من تناول الأدوية (إذا تم وصفها).
وفي الوقت نفسه، يوصى بطلب المساعدة المهنية في أقرب وقت ممكن. في كثير من الأحيان، لا يُدرك المريض وضعه، وبالتالي لا يتعاون. المتخصصين على دراية بمثل هذه الحالات، لذا يوصى بالتشاور معهم حول كيفية تجنيد الشخص للحصول على العلاج. في كثير من الأحيان يتجنب الناس التوجه للعلاج المبكر، بسبب صعوبة الاعتراف بوجود المشكلة والخوف منها، لكن ذلك يؤدي عمليًا إلى تأخير تلقي العلاج وربما يؤدي إلى تدهور الحالة. كما أن التعامل مع الأمر ليس سهلًا حتى بالنسبة لمن يدعم ويهتم بالمريض، لذا من المستحسن التواصل مع مركز العلاج وطلب الحصول على النصائح والإرشادات أيضاً. يمكن أيضًا التوجه لطلب المساعدة من المراكز الاستشارية لعائلات المرضى، وكذلك المشاركة في مجموعات دعم الأسرة.
من المهم التأكيد على أنه إذا كنت قد تعرضت أو عانى أحد الأشخاص المقربين منك من ظهور أعراض ذهانية أو نوبة ذهانية أولى، فمن المستحسن الخضوع لتشخيص متخصص في أقرب وقت ممكن. إذا لزم الأمر، يوصى ببدء العلاج المناسب في أسرع وقت ممكن، لضمان فرص أعلى للشفاء والتعافي والأداء الجيد والطبيعي في مختلف مجالات الحياة. تثبت الدراسات التي أجريت في جميع أنحاء العالم أن نهج التدخل المبكر ينجح في تحقيق تحسن في الأعراض، جودة الحياة، العودة إلى الأداء، تقليل حالات دخول المستشفى للعلاج وتسريع عملية التعافي.