الدعم العائلي للأشخاص المدمنين والمتعافين من الإدمان
الحياة إلى جانب شخص قريب يتعامل مع الإدمان قد تكون مليئة بالتقلبات والتحديات. من أجل تجاوز هذه المرحلة، من المهم الجمع بين التعاطف والاهتمام من جهة، والحفاظ على حدودكم وعلى أنفسكم من جهة أخرى.
إن التعرّف على مراحل الإدمان والتعافي يمكن أن يساعدكم على فهم ما يحدث بشكل أفضل، واختيار الطريقة المناسبة للتعامل في كل مرحلة.
الإدمان والعائلة
عندما يواجه أحد أفراد العائلة إدمانًا، لا يكون هو الوحيد الذي يعاني. فالإدمان يؤثر أيضًا على الشريك أو الشريكة، الوالدين، الأطفال، الإخوة والأصدقاء المقربين.
الإدمان هو مرض وليس ضعفًا، وليس فشلًا أخلاقيًا أو اختيارًا سيئًا. وكما هو الحال في الأمراض المزمنة الأخرى، فإن الإدمان يؤثر على العائلة بأكملها ويتطلب تعاملاً عائليًا مشتركًا. يُعد الإدمان مرضًا مزمنًا تلعب فيه العوامل الوراثية دورًا مهمًا. تشير الدراسات إلى أن الاستعداد الوراثي له دور كبير في خطر تطوير اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك الكحول، النيكوتين، الأفيونات ومواد أخرى. كما تُظهر دراسات التوائم والتبنّي والعائلات أن نحو %40-%70 من خطر الإدمان يُعزى إلى عوامل وراثية. فعلى سبيل المثال، تُقدَّر قابلية توريث الإدمان على الكحول بحوالي 50%، بينما قد تصل في الإدمان على مواد أخرى إلى نحو %70.
وقد يظهر هذا الاستعداد أيضًا على مستوى العائلة؛ إذ يكون أبناء الآباء المدمنين أكثر عرضة لتطوير الإدمان بأنفسهم، حتى عندما ينشؤون في بيئات مختلفة.
عوامل قد تؤثر على الإدمان
رغم المساهمة الكبيرة للعوامل الوراثية، من المهم التأكيد أن الإدمان ليس قدرًا محتومًا. فالعوامل البيئية مثل الضغط النفسي، صدمات الطفولة، توفر المواد، والدعم الاجتماعي تلعب دورًا مركزيًا في تطوّر الإدمان.
فهم التفاعل بين العوامل الوراثية والبيئية يمكن أن يساعد في تطوير أساليب وقاية وعلاج مخصّصة لكل شخص.
كيف يمكن تقديم الدعم في كل مرحلة من مراحل الإدمان والتعافي
الإدمان لا يتطور في يوم واحد، وكذلك التعافي منه هو عملية متعددة المراحل. التعرّف على هذه المراحل يمكن أن يساعدكم، كأفراد عائلة، على فهم حالة الشخص القريب منكم بشكل أفضل، وتقديم دعم مناسب، دون أن تفقدوا أنفسكم في الطريق.
استخدام تجريبي أو اجتماعي
استخدام تجريبي أو اجتماعي: المرحلة الأولية التي يستخدم فيها الشخص المادة بشكل نادر، غالبًا بدافع الفضول أو كجزء من التكيّف مع البيئة الاجتماعية.
- كيف يبدو ذلك؟ استخدام عرضي في الحفلات أو أحيانًا في المنزل، وغالبًا لا يكون مصحوبًا بأعراض خطيرة.
- كيف يمكن الدعم؟ لا يكون هناك بالضرورة سبب للقلق في هذه المرحلة، لكن من المهم الانتباه للتغيّرات المتكررة في نمط الاستخدام أو في المبرّرات المقدّمة له.
سوء الاستخدام
: لم تعد المادة تُستخدم للمتعة فقط، بل للتخفيف من مشاعر صعبة مثل الملل، التوتر والوحدة، وتبدأ وتيرة أو كمية الاستخدام بالازدياد.
- كيف يبدو ذلك؟ يتغيّب الشخص عن العمل، يُخفي استخدامه، تظهر لديه انفعالات عاطفية حادة، ويلاحظ تراجع في الأداء.
- كيف يمكن الدعم؟ شجّعوا على حوار مفتوح، اعرضوا المساعدة دون اتهام، ولا تحاولوا إخفاء المشكلة أو حلّها بمفردكم. في هذه المرحلة يمكن التوجّه للحصول على استشارة مهنية.
الاعتماد والإدمان النشط
لم يعد الشخص قادرًا على السيطرة على الاستخدام. قد تظهر أعراض انسحاب جسدية أو نفسية، ويصبح للإدمان ثمن مرتفع – مادي، صحي، عاطفي واجتماعي.
- كيف يبدو ذلك؟ ابتعاد عن العائلة، كذب، نوبات غضب، إدمان ظاهر، أذى جسدي أو مشاكل قانونية.
- كيف يمكن الدعم؟ هذه مرحلة حرجة. من المهم عدم الدخول في دور “المنقذ”، بل التوجّه لعلاج مهني والحفاظ على حدود واضحة. كما أن العناية الذاتية لأفراد العائلة ضرورية.
الاعتراف بالمشكلة واتخاذ قرار الإقلاع
يعترف الشخص بأن إدمانه يضرّ به وبمن حوله، ويُبدي رغبة في التغيير.
- كيف يبدو ذلك؟ حوار أكثر انفتاحًا، استعداد لطلب المساعدة، طلب للدعم.
- كيف يمكن الدعم؟ امنحوه شعورًا بالثقة، شجّعوه على التوجّه للعلاج، لكن دون ضغط زائد. تبقى الحدود مهمة.
مرحلة الإقلاع (Detox)
مرحلة فسيولوجية وقصيرة نسبيًا، يتم فيها تنظيف الجسم من المادة. قد تظهر أعراض انسحاب مثل الارتجاف، الألم، الاكتئاب أو القلق.
- كيف يبدو ذلك؟ دخول قصير للمستشفى أو علاج منزلي تحت إشراف، مع صعوبات جسدية ونفسية.
- كيف يمكن الدعم؟ أظهروا حضورًا ودعمًا عاطفيًا، ساعدوا في توفير بيئة آمنة ومستقرة، لكن اتركوا الجانب العلاجي للمهنيين.
إعادة التأهيل العاطفي والسلوكي
والسلوكي :مرحلة طويلة يتعلّم فيها الشخص العيش دون المادة، وإعادة بناء العلاقات وتطوير مهارات الحياة. تشمل علاجًا فرديًا، جماعيًا، وتأهيليًا مهنيًا وغيرها.
- كيف يبدو ذلك؟ فترات من الدافعية إلى جانب صعوبات عاطفية، تقلبات، وبناء روتين جديد.
- كيف يمكن الدعم؟ تعزيز كل إنجاز صغير، الاستمرار في الحفاظ على الحدود، المشاركة في مجموعات دعم للعائلة والتواصل باحترام وثبات.
منع الانتكاس والحفاظ على التعافي
التركيز على تحديد المحفّزات، بناء شبكات دعم، والحفاظ على نمط حياة متوازن.
- كيف يبدو ذلك؟ مزيد من الاستقرار، مع بقاء لحظات صعوبة أو إغراء. تظلّ إمكانية الانتكاس قائمة.
- كيف يمكن الدعم؟ لا تنقلوا توقعات بالكمال. الانتكاس جزء محتمل من المسار. ساعدوا الشخص على البقاء مرتبطًا بالعلاج، واستمروا في العناية بأنفسكم.
.
التعامل مع العودة إلى الإدمان ("الانتكاس")
عندما يواجه أحد أفراد العائلة إدمانًا، قد تتبدّل لحظات الأمل أحيانًا بخيبات أمل. ففي اللحظة التي يبدو فيها أن الأمور بدأت تستقر، قد تحدث انتكاسة – مرة “أخيرة” إضافية، لكنها ليست الأخيرة فعلًا. الانتكاس (Relapse) هو مرحلة شائعة في مسار التعافي من الإدمان، لكنه قد يبدو لأفراد العائلة وكأنه فشل. من المهم أن تعلموا: هذه ليست نقطة نهاية، بل جزء طبيعي من رحلة معقّدة.
تشير الدراسات إلى أن نسبة الانتكاس لدى الأشخاص الذين يتعاملون مع الإدمان تتراوح بين %40 إلى %60, وهي نسبة مشابهة لما يحدث في أمراض مزمنة أخرى مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم. وهذا يعني أنه حتى إذا عاد الشخص لاستخدام المواد، فهذا لا يُعد فشلًا للعلاج أو لكم كأفراد عائلة، بل مرحلة محتملة ضمن مسار التعافي.
ماذا تفعلون عندما يحدث ذلك
-
توقّفوا لحظة وخذوا نفسًا
-
لا تتعاونوا مع الإدمان
-
شجّعوا العودة إلى العلاج
-
حافظوا على أنفسكم
-
الانتكاس فرصة للتعلّم
- توقّفوا لحظة وخذوا نفسًا: من الطبيعي أن تشعروا بخيبة أمل، بالأذى وحتى بالغضب. مشاعركم مشروعة، لكن حاولوا ألا تتصرفوا تحت تأثير الانفعال.
- لا تتعاونوا مع الإدمان، لكن لا تقطعوا العلاقة: الانتكاس لا يبرّر التنازل عن الحدود التي وضعتموها. لا تموّلوا، لا تبرّروا ولا تنكروا السلوك. حاولوا إظهار المحبة والاهتمام دون حكم أو تهديد.
- شجّعوا العودة إلى العلاج – بدافع الاهتمام لا الضغط: اسألوا الشخص المدمن عمّا يحتاجه الآن للعودة إلى المسار. أظهروا له أنكم تؤمنون به، وأن العلاج يمكن أن يساعد مرة أخرى.
- حافظوا على أنفسكم: عودة التعاطي لدى شخص عزيز قد تعيد مشاعر قديمة وتدخلكم في دوّامة من جديد. هذا هو الوقت للاعتناء بأنفسكم: من خلال العلاج، مجموعات الدعم أو الاستشارة العائلية.
- الانتكاس فرصة للتعلّم: حاولوا، مع المعالج أو ضمن المجموعة، فهم ما الذي أدى إلى التراجع. ما الصعوبات التي سبقته؟ وكيف يمكن التعامل بشكل مختلف في المرة القادمة؟ الانتكاس، إذا تم التعامل معه بشكل صحيح، قد يكون نقطة انطلاق للنمو.
الدعم الصحيح لا يعني دائمًا “أن تكونوا موجودين دون شروط”، بل يتطلّب فهم المرحلة التي يمرّ بها الشخص واختيار الاستجابة التي تخدم الطرفين.
أحيانًا يعني ذلك وضع حدود، وأحيانًا تقديم الاحتواء والدعم، وأحيانًا أخرى اتخاذ خطوة إلى الوراء والابتعاد لحماية أنفسكم. كل مرحلة من مراحل الإدمان أو التعافي تتطلّب منكم شيئًا مختلفًا. هذا الفهم يمكن أن يعزّز قوتكم ويمنحكم طاقة للاستمرار، حتى عندما يكون الطريق طويلًا.