كيف يمكن تشجيع شخص يعاني من الإدمان على التوجّه للعلاج؟
إن التعامل مع شخص قريب يعاني من الإدمان هو وضع غير سهل، وقد يكون حتى مُزعزعًا، خاصةً عندما يفقد السيطرة وينجرف إلى سلوكيات مؤذية، مما يضرّ بنفسه ويسبّب معاناة كبيرة لمحيطه القريب. في كثير من الحالات، يكون الأشخاص الأقرب إلى المدمن أو المدمنة هم أول من يلاحظ الأعراض التي قد تدل على الإدمان وعلى التدهور، ولذلك فإن دورهم مهم جدًا في مسار العلاج والتعامل مع الوضع. يمكن للمقرّبين مساعدة الشخص على الاعتراف بوجود مشكلة لا يجوز تجاهلها، وتشجيعه على التوجّه لتلقّي علاج مناسب.
من المهم الاعتراف بالمشاعر
إن وضعًا يكون فيه أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء المقرّبين يعاني من الإدمان هو تجربة معقّدة. من الطبيعي الشعور بمجموعة واسعة من المشاعر، مثل القلق العميق، الغضب، خيبة الأمل والإحباط، الشعور بالذنب، العجز أو الخجل. إلى جانب الاعتراف بهذه المشاعر، من المهم أن تتذكّر/ي: هذا ليس خطأك وليس من مسؤوليتك. يمكنك تقديم الدعم والتشجيع وعرض المساعدة، لكن مسؤولية التغيير تقع على عاتق المدمن أو المدمنة. يُفضَّل التحلّي بالتعاطف، إذ إن المدمنين غالبًا ما يبحثون عن الراحة أو التخفيف. في مثل هذه اللحظات، قد يكون الطريق الأسهل هو الهروب إلى الإدمان، مثل شرب كأس إضافي من الكحول، أو تعاطي مادة مخدِّرة، أو الانخراط في المقامرة—وهي خيارات تكون أسهل من التوجّه للعلاج النفسي أو استشارة مختص. قد يجد الشخص المدمن في المادة أو السلوك الإدماني نوعًا من “العلاج” الذي يجعله يشعر بتحسّن مؤقت، وهي ظاهرة تُعرف في المجال المهني باسم “العلاج الذاتي”.
قبل كل شيء، يجب فهم المشكلة
ما هي الأسباب التي أدّت بالشخص إلى تطوير إدمان؟ هل هي صعوبات في العمل؟ مشاكل في العلاقة الزوجية؟ ضغوط نتيجة رعاية الوالدين؟ في كثير من الأحيان، يكون من الصعب تقديم المساعدة دون فهم السبب الذي قاد إلى الإدمان. وأحيانًا يكون الشخص نفسه في حالة إنكار. إن فهم الوضع هو نقطة البداية التي يمكن من خلالها تعزيز الدافعية لبدء العلاج.
لا يمكن إجبار شخص على مساعدة نفسه
في معظم الحالات، لا يتوجّه الشخص المدمن إلى العلاج بمبادرته، بل نتيجة تشجيع ودعم العائلة والأصدقاء. لكن ذلك يحدث فقط عندما يصل المدمن بنفسه إلى مرحلة يصبح فيها الألم والمعاناة أكبر من المتعة التي يحصل عليها من الإدمان. وعلى الرغم من أهمية دعمه وشرح قلقك عليه وإظهار التفهّم لوضعه، يجب أيضًا أخذ بعين الاعتبار أن مدى تأثيرك على الوضع محدود، وليس تحت سيطرتك.
وضع حدود
في كثير من الحالات، يقوم الشخص المدمن بممارسة ضغوط، بل وحتى استخدام أساليب تلاعب (مناورات) للحصول على ما يريد. كما أن الإدمان قد يكون مكلفًا جدًا من الناحية المالية. لذلك، من المهم عدم الاستسلام وعدم التعاون، مثلًا عندما يطلب منك المال لشراء المادة المُسبِّبة للإدمان أو لتسديد ديونه. إن التعاون مع المدمن وتلبية احتياجات إدمانه قد تكون له تكاليف ومخاطر إضافية، مثل استنزاف المدخرات التي قد تتحول إلى “حفرة بلا قاع”، والإضرار بالإخوة وباقي أفراد الأسرة، وتعريض القاصرين للخطر، وغيرها.
دور أفراد الأسرة هو وضع حدود واضحة، ومن المهم أيضًا استشارة مختص/ة لتلقي الإرشاد حول كيفية القيام بذلك. في بعض الأحيان، قد تؤدي هذه الحدود بحد ذاتها إلى التغيير، لأنها تدفع المدمن إلى أقصى حدوده. يمكن للأسرة أن تساعده في الوصول إلى هذه النقطة، مثلًا من خلال رفض تقديم دعم مالي. وعندما يتعلق الأمر بالأزواج، يُنصح بالنظر في فصل الحسابات المالية، أو حتى طرح خيار الانفصال أو الطلاق. فعندما يصبح الضرر أكبر من الفائدة، غالبًا ما يصل الشخص إلى نقطة حاسمة تدفعه لاتخاذ قرار بالتغيير.
احرصوا على أنفسكم: الدعم والمساعدة – ليس بأي ثمن
إن الرغبة في تشجيع الشخص المدمن ودعمه وربما إنقاذه أمر شائع وإيجابي، لكن الدعم لا ينبغي أن يكون بلا حدود—بل على العكس. ينبغي أن يكون الدعم محدودًا بحيث يُقدَّم فقط لمن يعمل على علاج نفسه ويختار التوجّه للعلاج. من المهم أن يشعر الشخص المدمن بوجود من يساعده ويستمع إليه ويدعمه، لكن ليس على حساب الإضرار بك أو بأسرتك. يُستحسن استشارة مختصين للحصول على إرشاد حول ما يمكن فعله. ومن المهم أيضًا معرفة أنه في بعض الحالات قد يكون من الأفضل الابتعاد أو قطع العلاقة.
التشجيع، الدعم ومنح الأمل
بشكل عام، من المستحسن تقديم تعزيزات إيجابية والإشادة بكل إنجاز، صغيرًا كان أم كبيرًا. صحيح أن الامتناع الكامل عن تعاطي المادة أو عن السلوك الضار هو الهدف المنشود، لكن أي تقدّم أو تحسّن يُعدّ أمرًا إيجابيًا. من المهم إدراك قيمة تقليل الأضرار: فكل تحسّن أو تقليل في الاستخدام أفضل من عدم حدوث أي تغيير. على سبيل المثال، إذا خفّض الشخص المدمن استهلاكه من 30 غرامًا إلى 20 غرامًا، أو إذا شرب كأسًا واحدًا من الكحول بدل زجاجة كاملة، وهكذا. كل إنجاز يُحتسب وليس أمرًا بديهيًا. قد لا يؤدي ذلك إلى التعافي الكامل، لكنه قد يساعد على كبح الإدمان ومنع التدهور.
المساعدة والمرافقة في إيجاد علاج مناسب
- يمكن اقتراح مجموعات المساعدة الذاتية، مثل AA (مدمنو الكحول المجهولون) وNA (المدمنون المجهولون)، حيث يتم تطبيق برنامج الخطوات الاثنتي عشرة للمساعدة الذاتية.
- يُنصح بالتحقّق من خيارات العلاج المتاحة للأشخاص المدمنين، مثل الخدمات المقدّمة عبر صندوق المرضى الذي يتبع له الشخص أو عبر موقع وزارة الصحة، مع عرض المساعدة في التواصل.
- يُستحسن تقديم الدعم، وإذا أمكن، مرافقة الشخص إلى اللقاء الأول في مجموعات المساعدة أو إلى العيادة.
انتبهوا
انتبهوا
يجب أن تكون رسالة العائلة واضحة: "نحن مستعدون لمساعدتك في إيجاد علاج مناسب، لكننا غير مستعدين لتمكين (enable) الإدمان أو التعاون مع السلوكيات المدمّرة." إذا استمر الشخص المدمن في أنماط سلوك من التدمير الذاتي، فعلى العائلة أن تحافظ على نفسها.
الإدمان مرض يشمل العائلة بأكملها
في كثير من الأحيان، لا يعاني الشخص المدمن وحده من الأعراض وأنماط السلوك الإشكالية، بل تتأثر أيضًا العائلة المحيطة به. إن ردود فعل العائلة هي استجابة طبيعية لوضع غير طبيعي—فهناك ديناميكية عائلية، ويأخذ كل فرد على عاتقه دورًا معينًا داخل هذه المنظومة. هناك عدة جوانب لكيفية تأثّر العائلة أو تأثيرها في الوضع:
العلاج الأسري يمكن أن يساعد
في كثير من الحالات، يمكن أن يساعد العلاج الزوجي أو الأسري أو إرشاد الوالدين. فعندما تُحدث العائلة تغييرًا، فإن ذلك يشجّع الشخص المدمن على إحداث تغيير أيضًا، ويساهم في تحسين الديناميكية العائلية لتصبح أكثر صحة وتوازنًا.