الإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية
في العقد الأخير، أصبحت الشاشات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. فهي موجودة في كل مكان: في المنزل، والعمل، والدراسة، وأوقات الفراغ. تتيح لنا وصولًا فوريًا إلى المعرفة، والتواصل، والترفيه، ويمكن أن تُستخدم حتى كأداة علاجية وطبية عن بُعد. ومع ذلك، إلى جانب هذه المزايا الواضحة، تتزايد مشكلة معقّدة: الاستخدام المفرط للشاشات إلى حدّ الإدمان. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الأطفال والمراهقين فقط، بل تؤثر أيضًا على البالغين من مختلف الأعمار، وتترتب عليها آثار صحية ونفسية واجتماعية.
يُعدّ الفتيان والفتيات أكثر عرضة للإدمان على الشاشات، بسبب الضغط الاجتماعي، والحاجة إلى الانتماء، والرغبة في أن يكونوا “متصلين دائمًا”. وتشكل منصات مثل إنستغرام، تيك توك ويوتيوب جزءًا أساسيًا من عالمهم. بالإضافة إلى ذلك، تُنشئ ألعاب الحاسوب عبر الإنترنت مجتمعات افتراضية توفّر شعورًا بالانتماء والمكانة الاجتماعية، لكنها قد تأتي أحيانًا على حساب العلاقات في العالم الحقيقي.
الفروق بين الإدمان على الشاشات والإدمان على الألعاب الإلكترونية (Gaming)
يشمل الإدمان على الشاشات الاستخدام المفرط للهواتف، والحواسيب، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومشاهدة الفيديوهات، بل وحتى المواد الإباحية أو المقامرة. أما الإدمان على الألعاب الإلكترونية فيشير تحديدًا إلى ألعاب الحاسوب والفيديو، حيث يجد الأطفال والمراهقون—وأيضًا البالغون—صعوبة في التوقف عن اللعب رغم تأثيره السلبي على النوم، والدراسة أو العمل. يتميّز الإدمان على الألعاب بآلية خاصة: إذ يعتمد على أنظمة مكافأة قوية مثل المراحل، والنقاط، والإنجازات، التي تُنشئ دوائر تعزيز مستمرة في الدماغ. هذه الآليات تُفعّل نظام الدوبامين، أي مركز المتعة في الدماغ، على نحو مشابه لأنواع أخرى من الإدمان، مما يسبّب صعوبة حقيقية في التوقف عن اللعب.
اتجاهات حديثة وبيانات في إسرائيل
تشير معطيات تقرير معهد بروكديل لعام 2024، الذي أُجري بطلب من قسم علاج الإدمان في وزارة الصحة، إلى صورة مقلقة:
- 28% من المراهقين أفادوا بأن استخدامهم للشاشات يؤثر سلبًا على روتين حياتهم — في النوم، والدراسة، والحياة الاجتماعية.
- 17% من المراهقين يستوفون معايير “اضطراب الألعاب الإلكترونية” كما حدّدتها منظمة الصحة العالمية (WHO).
- بين البالغين، واحد من كل خمسة ذكر أن استخدام الشاشات يؤثر سلبًا على العمل، والعلاقات، والصحة.
تأثيرات خاصة بفترات الضغط والحروب
خلال العام الأخير، ولا سيما خلال حرب “السيوف الحديدية”، تفاقمت هذه الظاهرة. فقد وجد الكثيرون ملاذًا في الشاشات للهروب من الضغط، أو لمتابعة الأخبار، أو لتمضية الوقت. يشير التقرير إلى ارتفاع ملحوظ في استخدام الشاشات خلال فترات الضغط، خاصة بين المراهقين والشباب. وقد وجد تقرير معهد بروكديل أنه خلال فترة الحرب.
- 8.3% من اليهود و%19.3 من العرب في إسرائيل معرضون لخطر الإدمان على الألعاب الإلكترونية.
- ارتفع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب، ومشاهدة المحتوى بشكل ملحوظ بين الأطفال، والمراهقين، والبالغين.
نسبة التوجّه لطلب المساعدة منخفضة، خاصة بين الشباب والرجال.
تُنتج فترات الأزمات حاجة متزايدة للهروب من الواقع، مما يعمّق أنماط الاستخدام الإشكالي حتى بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.
الشاشات والبالغون: إدمان صامت يتفاقم في أوقات الأزمات
حتى البالغون ليسوا محصّنين من الإدمان على الشاشات. خلال فترة الحرب، سُجّل ارتفاع في استخدام الشاشات كوسيلة للهروب من الضغط والقلق. كما أن الانتقال إلى العمل عن بُعد طمس الحدود بين العمل ووقت الفراغ، وأصبح الهاتف المحمول جهازًا يُستخدم للعمل، ومتابعة الأخبار، والترفيه في آنٍ واحد.
التأثيرات والمخاطر المرتبطة بالإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية
علامات تحذيرية لدى الفتيات والفتيان
- تراجع في التحصيل الدراسي وفي مجالات اهتمام أخرى.
- استخدام مفرط للشاشات، خصوصًا في ساعات الليل.
- عصبية عند سحب الأجهزة منهم.
- الانعزال وتجنّب اللقاءات الاجتماعية.
طرق التعامل مع الإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية
التعامل العائلي مع الإدمان على الشاشات
الحدود
تحديد “أوقات للشاشات” لجميع أفراد الأسرة، مع تفضيل أوقات نوعية مشتركة دون شاشات.
حوار مفتوح
إشراك الأطفال والمراهقين في العملية، والتحدث بلطف عن الفوائد والمخاطر، ومشاركة المشاعر.
إتاحة أنشطة بديلة
مثل الدورات (الهوايات)، والرياضة، ومجموعات الإبداع والمبادرات الاجتماعية، التي تقلل من وقت الشاشات وتعزز الشعور بالإنجاز والانتماء.
التوجّه إلى استشارة مهنية
يُنصح بالتوجّه إلى استشارة مهنية في الحالات التالية:
- عندما لا ينجح الطفل أو المراهق أو البالغ في السيطرة على وقت استخدام الشاشات رغم محاولات متكررة.
- عندما يكون هناك تدهور واضح في الأداء (الدراسة، العمل، النوم، العلاقات الاجتماعية).
- عند ظهور أعراض عاطفية مرافقة، مثل القلق، الشعور بالوحدة، الحزن أو الغضب.
- عندما يشعر أفراد الأسرة بالإرهاق، الإحباط أو بوجود صراعات متكررة حول هذا الموضوع.
طرق علاج الإدمان على الشاشات
توجد مجموعة متنوعة من أساليب علاج الإدمان على الشاشات، ويعتمد اختيار نوع العلاج على العمر، وشدة الإدمان، والبيئة العائلية، ووجود أعراض مرافقة أخرى (نفسية، عاطفية أو جسدية). يمكن في الغالب علاج الإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية بنجاح كبير، خاصة عند الجمع بين نهج مهني وتدخّل الأسرة والمجتمع. طُرق العلاج المتاحة اليوم:
خلاصة, إن الإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية يُعدّ وباءً صامتًا يتفاقم في فترات الأزمات، لكنه حاضر أيضًا في الحياة اليومية. فهو يؤثر على الأطفال والمراهقين والبالغين—في الصحة، والأداء، والعلاقات. وقد أبرزت الحرب الأخيرة ميلنا إلى الهروب نحو الشاشات، لكن مع عودة الحياة إلى طبيعتها، من المهم القيام بـ""Reset : استعادة السيطرة، ووضع حدود، وبناء عادات استخدام صحية.
كما هو الحال في كل إدمان – فإن قوة الإرادة الشخصية مهمة، لكن في كثير من الأحيان تكون العملية الأكثر نجاحًا هي تلك التي تجمع بين تدخل مهني، ودعم عائلي، وبيئة داعمة. لا بديل عن القدوة الشخصية من قبل الوالدين، وعن الحوار المفتوح والصريح.
يُنصح بالتوجّه في أقرب وقت ممكن إلى أحد الخدمات في المجتمع، أو خدمات الصحة النفسية، أو إلى طبيب/ة الأسرة، وتذكّر دائمًا: كل تغيير يبدأ بخطوة صغيرة.
الشاشات موجودة لتبقى، والسؤال هو: هل نحن نديرها أم هي التي تديرنا؟