إدمان القمار
يُنظر إلى القمار في كثير من الأحيان كنشاط مسموح بل وممتع. نحن جميعًا نعرف من الأفلام والمسلسلات مشاهد يجلس فيها مقامرون كبار في الكازينو أمام أكوام من الرقائق، لكن الواقع أقل بريقًا وأكثر تنوّعًا. فالقمار قد يكون أيضًا لعبة بوكر، أو مراهنة على نتيجة مباراة كرة القدم بالوينر، أو تعبئة بطاقات يانصيب مثل اللوتو أو “تشانس”. كل هذه تشكّل منصّة متاحة للهروب من الواقع اليومي. يوفّر القمار انفصالًا مؤقتًا عن الضغوط والهموم، والدخول إلى عالم آخر مليء بالتوتر، الترقّب والإثارة، والانخراط في بيئة مختلفة. بالنسبة لبعض الأشخاص، وخاصة من لم يسبق لهم المقامرة، قد يتحوّل هذا الهروب إلى إدمان على القمار. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد المدمنين على القمار في إسرائيل يتراوح بين 150,000 الى 250,000 شخص، أي ما بين %1.5 إلى %4 من السكان البالغين في الدولة.
أنماط السلوك لدى المدمنين على القمار
يميل المدمنون على القمار إلى تخصيص وقت ومال كبيرين لموضوع الإدمان. فعلى سبيل المثال، قد يقضي مدمنو المراهنات الرياضية ساعات طويلة في متابعة جميع المباريات، على حساب النوم، العمل، والوقت النوعي مع العائلة والأطفال. قد يشعرون بالإثارة والمتعة، لكنها في الواقع مشاعر مؤقتة. تبلغ الإثارة ذروتها، خاصة عند المراهنة بمبالغ كبيرة – أحيانًا بعشرات آلاف الشواقل على مباراة واحدة – بينما تتراكم الخسائر. إذا نجحت المراهنة، يشعرون بنشوة كبيرة، لكن بعد دقائق قليلة تتلاشى هذه المشاعر، ويبقى إحساس بالفراغ، كما في سائر أنواع الإدمان. ثم يعودون للمقامرة مرة أخرى. بمعنى آخر، الشخص الذي يربح لا يتوقف ليستفيد من أرباحه في أمر إيجابي، بل يستمر في المقامرة. فمصدر الإثارة ليس الربح نفسه، بل الترقّب، المخاطرة والتوتر المصاحب لها.
هل أنت مدمن على القمار؟
وفقًا لدليل التشخيص DSM-5 الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، تُعرَّف اضطرابات إدمان القمار على أنها سلوك مقامرة إشكالي ومتكرر يؤدي إلى خلل سريري ملحوظ أو ضائقة. وجود 4 أعراض أو أكثر من الأعراض التالية قد يشير إلى احتمال وجود إدمان:
-
زيادة المبالغ
-
أفكار وسواسية
-
صعوبة في التقليل
-
القمار كوسيلة للهروب
-
محاولة تعويض الخسائر
-
الميل إلى الكذب
-
فقدان العلاقات
-
تراكم الديون
- الحاجة إلى زيادة مبالغ المراهنة للوصول إلى نفس مستوى الإثارة المرغوب.
- أفكار وسواسية ومتكررة حول القمار.
- صعوبة وعدم القدرة على التقليل أو السيطرة على الرغبة في القمار.
- استخدام القمار كوسيلة للهروب من المشاكل والمشاعر غير المريحة مثل الذنب، القلق أو الاكتئاب.
- المقامرة بهدف تعويض الخسائر.
- الميل إلى الكذب على المقربين بشأن حجم القمار.
- خطر فقدان العلاقات أو العمل.
- تراكم الديون وطلب المال من الآخرين.
تحديات العلاج في إدمان القمار
يتشارك القمار والإدمانات المرتبطة بالمواد (مثل المخدرات والكحول) آليات عصبية-بيولوجية متشابهة، خاصة في تأثيرها على نظام المكافأة في الدماغ. ومع ذلك، بخلاف إدمانات المواد، فإن إدمان القمار لا يتضمن اعتمادًا جسديًا، ولذلك يتركّز العلاج أساسًا على السلوكيات والعمليات المعرفية.
العلاج يشبه إلى حد كبير علاج إدمان المواد ذات التأثير النفسي، لكنه يتضمّن تحديات إضافية. ففي حين أن تعاطي هذه المواد يؤثر بشكل واضح على الإدراك والسلوك والأداء اليومي، فإن إدمان القمار يمكن إخفاؤه نسبيًا بسهولة. فقد يستطيع الشخص المدمن إخفاء أو إنكار الأضرار الناتجة عن إدمانه والخسائر المالية لسنوات طويلة، بل وقد يستمر في العمل والقيام بوظائفه اليومية بشكل يبدو طبيعيًا. كل هذه العوامل تجعل من الصعب تشخيص المشكلة، سواء من قبل المحيطين به أو حتى من قبل الشخص نفسه.
غياب المشاركة يعيق الحصول على المساعدة ويُبقي الشخص المدمن في دوّامة متناقضة؛ فمع غياب الأمل أو الإيمان بإمكانية التغيير، يستمر في الاعتقاد خطأً بأن الحل يكمن في القمار نفسه. كما أن “الحياة المزدوجة” التي يعيشها المقامر تفرض أثمانًا عاطفية باهظة. وفي الوقت ذاته، قد يلجأ المقامر بدافع اليأس إلى حلول في “السوق الرمادية”، مما يفاقم الضائقة المالية ويعرّضه ويعرّض من حوله للخطر.
كل هذه العوامل، إلى جانب خصائص أخرى مثل القبول الاجتماعي واعتبار الظاهرة “طبيعية”، تُصعّب وصول المقامرين إلى العلاج واستمرارهم فيه. وبعد التوجّه للعلاج، تكون هناك حاجة إلى عمل مكثّف لكسر آليات دفاع قوية مثل الإنكار والتبرير. إن مساعدة المتعالج على الاعتراف بالمرض وتغيير السلوكيات المرتبطة بالقمار هي مهمة معقّدة ومليئة بالتحديات ضمن مسار التعافي. كما أن عملية الإقلاع نفسها تتطلّب نهجًا خاصًا يتلاءم مع التحديات المميّزة لهذا النوع من الإدمان السلوكي.
طرق علاج إدمان القمار
عملية الإقلاع والعلاج تشبه الإدمانات السلوكية الأخرى:
-
العلاج النفسي
-
العلاج الجماعي
-
العلاج الدوائي
-
الإقلاع ضمن إطار استشفائي
- العلاج النفسي:(Psychotherapy) يساعد على التعرّف إلى الأفكار والسلوكيات التي تغذّي القمار، وتطوير طرق صحّية للتعامل مع التوتر والمحفّزات.
- العلاج الجماعي: الانضمام إلى مجموعات علاجية أو دعم مثل Gamblers Anonymous (المقامرون المجهولون) يوفّر شعورًا بالانتماء، التشجيع والمسؤوليّة خلال مسار التعافي.
- العلاج الدوائي: بعض الأدوية قد تساعد في إدارة أعراض الانسحاب أو في علاج حالات نفسية مرافقة مثل القلق أو الاكتئاب.
- الإقلاع ضمن إطار استشفائي أو مركز نهاري: عند الحاجة، يمكن الخضوع لبرنامج إقلاع في مركز استشفائي (مع مبيت) أو في إطار علاج نهاري ضمن مركز علاجي. للقراءة حول مراكز الاستشفاء وبرامج الفطم.
فرص نجاح الإقلاع عن القمار
تشير الدراسات إلى أن نحو %70–%75 من المتعالجين في برامج علاج إدمان القمار ينجحون في الامتناع عن القمار بشكل كامل خلال فترة العلاج. ومع ذلك، فإن معدلات الانتكاس (relapse, العودة إلى القمار) بعد انتهاء العلاج تبقى مرتفعة؛ إذ يعود أكثر من %70 من المتعالجين إلى القمار بعد فترة معينة. ويؤكد هذا المعطى على أهمية توفير دعم مستمر وبرامج متابعة بعد انتهاء العلاج الأولي.
التعافي من إدمان القمار هو مسار ممكن وواقعي. مع علاج مناسب، دعم اجتماعي والتزام شخصي، ينجح كثيرون في إعادة بناء حياتهم، تحسين وضعهم الاقتصادي والنفسي، وبناء علاقات صحّية. الطريق ليس سهلًا، لكن كل خطوة صغيرة إلى الأمام هي إنجاز بحد ذاته.
لمزيد من المعلومات حول التأهيل بعد الفطام
كيف تتوجّهون لطلب المساعدة؟
إذا كنتم أو شخص تعرفونه يواجه إدمان القمار، توجّهوا إلى طبيب أو طبيبة العائلة، أو إلى عيادة مختصّة بعلاج الإدمان ضمن صندوق المرضى، للحصول على استشارة ودعم مهني.