ما هو اضطراب الوسواس القهري (OCD)
اضطراب الوسواس القهري (OCD – obsessive compulsive disorder) هو اضطراب معقد يؤثر على العديد من الأشخاص بطرق مختلفة ومتنوعة: بدءًا من الرغبة في الترتيب وحتى المخاوف الصحية، من الفحوصات المتكررة بعد أداء الإجراءات إلى الأفكار المتطفلة المتكررة.
لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، من المهم معرفة الآلية الأساسية، مظاهرها المختلفة وتأثيرها على جميع مجالات الحياة.
السلوك المتكرر: إدمان حقيقي
ي الماضي، تم تعريف اضطراب الوسواس القهري على أنه اضطراب قلق، لكن في الطبعة الخامسة من الكتاب التشخيصي الأمريكي للأمراض النفسية DSM، الصادر عام 2013، تم تغيير الإشارة إليه.
أحد النماذج المقدمة اليوم لفهم الاضطراب هو نموذج الإدمان السلوكي (Behavioral Addiction Model) ووفقاً لهذا النموذج، يعتبر السلوك التكراري إدماناً حقيقياً، وذلك لعدة أسباب:
أعراض الوسواس القهري
لاضطراب الوسواس القهري عدة مظاهر شائعة، على سبيل المثال:
- التحقق المتكرر للتأكد من أن بعض الإجراءات قد تم تنفيذها بالفعل، على سبيل المثال قفل الباب أو التأكد من أنني قلت الكلمة الصحيحة أثناء المحادثة، أو أنه تم تنفيذها وفقًا لقواعد معينة.
- الرغبة الشديدة بترتيب الأشياء.
- الغسيل المتكرر لليدين والجسم وتنظيف الأغراض المختلفة.
- صعوبة في اتخاذ القرارات، والتي يصاحبها أسئلة تهدف إلى الحصول على موافقة البيئة المحيطة على تنفيذ إجراءات وقواعد صارمة.
المظاهر الإضافية والأقل شهرة للاضطراب هي:
- نتف الشعر Trichotillomania (Hair Pulling Disorder)
- اضطراب كشط الجلد النفسي (Excoriation of skin)
- قضم الأظافر.
- التخزين (الأشياء، الحيوانات، وسائط الاعلام، مثل الصور الموجودة على الهاتف، البريد الإلكتروني وما إلى ذلك)
- الانشغال القهري بمظهر الجسم.
الآلية الكامنة وراء هذا الاضطراب
من المعتاد الإشارة إلى اضطراب الوسواس القهري ليس كاضطراب منفرد، بل كمجموعة من اضطرابات الوسواس القهري، والتي تتمثل سماتها المشتركة في السلوك غير الاقتصادي والتفكير غير المرن، الذي يعطل الحياة اليومية.
تنجم هذه الاضطرابات عن مشكلة في التواصل بين الخلايا العصبية في دوائر معينة في الدماغ. هذه الدوائر مسؤولة، من بين أمور أخرى، عن تقييم نتيجة الفعل وتقديم التعليقات بشأنه. في الحالة الطبيعية حيث يتم إعطاء رد الفعل الصحيح، تنتج هذه الدوائر رفضًا وتأخيرًا لهذا الفعل، مما يؤدي إلى توقفه. عند الشخص المصاب بهذا الاضطراب، يكون هذا النشاط غير طبيعي، وبالتالي يتم إنشاء موقف تتكرر فيه الأفعال بطريقة غير فعالة - وهو الوضع الذي يطلق عليه "الطقوس".
لتوضيح الظاهرة سنحاول إعطاء مثال: تخيل باب مصعد به حساس للحركة وهو المسؤول عن كشف الحركة وبالتالي منع الباب من الإغلاق، أو بدلا من ذلك - اكتشاف قلة الحركة والتأكد من إغلاقه. إذا تعطل الحساس، فلن يستقبل الباب إشارة "تؤكد" غلق الباب، وحينها إما سيظل مفتوحا، أو سيفتح ويغلق حتى يتم إصلاحه - أي لا نهاية للمشكلة. الحدث. وبالمثل، في حالة وجود اضطراب الوسواس القهري، لن "يتلقى" الشخص تأكيدًا بأن الإجراء قد انتهى (الباب مغلق أو الأيدي نظيفة)، مما يجعله يكرر الإجراء حتى يتم استلام التأكيد (طقوس).
انتشار الاضطراب
نتيجة التغير في التطرق للاضطراب، من اضطراب واحد إلى مجموعة من الاضطرابات، زاد معدل انتشاره بين عامة السكان ويقدر بـ %9.1 مع توزيع متوازن نسبيا بين الرجال والنساء. يشكو العديد من المرضى من أن الاضطراب ظهر لأول مرة لديهم في بداية سن البلوغ، ولكن من المهم أن نقول إن معظم الأعراض تظهر حتى في وقت أبكر، في الأعمار الأصغر، وفقط عندما يبدأ الاضطراب في التأثير فعليًا على الحياة اليومية، عادةً ما يسعون إلى علاج.
أبحاث حديثة تشير إلى العوامل البيولوجية والوراثية المسؤولة عن ظهور الاضطراب. مع ذلك، من المهم أن نتذكر أنه من الممكن منع أو تقليل تفاقم الحالة بمساعدة العلاج المناسب، في أقرب مرحلة ممكنة في الحياة.
الآثار والعواقب
في غياب العلاج، يمكن أن يؤثر الاضطراب على جميع مجالات الحياة:
الأضرار التي لحقت بأنماط التفكير
لا تتجلى اضطرابات الوسواس القهري في المجالات المحددة التي ذكرناها فحسب، بل تتجلى أيضًا في اضطراب أنماط التفكير. أبرزها:
في الختام، فإن اضطرابات الوسواس القهري هي مجموعة واسعة من الاضطرابات التي تختلف كثيرًا عن بعضها البعض، سواء من حيث ظهورها من شخص لآخر، من حيث المحتوى أو من حيث السلوك الذي يميز كل مظهر. وعلى الرغم من الاختلاف، إلا أن لديهم بعض العناصر المشتركة، والتي تشمل صعوبة تحمل عدم اليقين، صعوبة في اتخاذ القرارات، استخدام أسئلة التأكيد والتجنب. إذا كنت أنتَ أو أنتِ أو أي شخص قريب منك تتعامل مع أفكار لا إرادية ومزعجة وقهرية، فنوصيك بالذهاب إلى تقييم وتشخيص متخصص، وإذا لزم الأمر، البدء في العلاج المناسب.
الدكتور عوديد بن أروش، طبيب نفسي طبي، مؤسس ومدير المركز الإسرائيلي لعلاج الوسواس القهري، عضو خبير ومدرب في الجمعية الإسرائيلية للعلاج السلوكي المعرفي (ايتا).