عوامل الخطر لتطور اضطراب الشخصية
يتميز اضطراب الشخصية بمجموعة من الأنماط الجامدة (في التفكير، الإدراك، العواطف، السلوك الاجتماعي) التي تتطور منذ الطفولة المبكرة وتترسخ في فترة المراهقة أو بداية مرحلة البلوغ. تميل هذه الأنماط إلى البقاء مستقرة نسبيًا مع مرور الوقت، مما يجعل من الصعب على الشخص التكيف مع البيئة، الأداء الشخصي، الاجتماعي والمهني، ويسبب له ضيقًا شديدًا.
على عكس الحالات الطبية المعروفة أسبابها، لا تزال الأبحاث المتعلقة باضطرابات الشخصية في طور التطور. لم تُفهم الأسباب الدقيقة لهذه الاضطرابات فهمًا كاملًا، ولا يمكن تحديدها بدقة حتى الآن، مما يُصعّب تطوير أساليب وقائية وعلاجية مُوجّهة. لذلك، يُركّز أخصائيو الصحة النفسية على تحديد عوامل الخطر، مثل صدمات الطفولة، العوامل الوراثية أو أنماط التعلّق المبكرة، وتطوير تدخلات من شأنها التقليل من تأثيرها. يُتيح هذا النهج تقديم استجابة علاجية، حتى في حال عدم وضوح الصورة الكاملة لأصول الاضطراب.
المقصود بعوامل الخطر
عوامل الخطر هي مصطلحات إحصائية تصف سمات مشتركة لدى الأشخاص الذين تم تشخيصهم بالفعل. على عكس التفسير السببي، لا تُفسر عوامل الخطر في حد ذاتها أصل الاضطراب، ولا تتنبأ بمستقبل أي شخص، بل تصف فقط درجة احتمالية (خطر) حدوث ذلك - دون يقين. بعبارة أخرى، هناك أشخاص لديهم عوامل خطر، لكنهم لن يُصابوا أبدًا باضطراب الشخصية. يشبه هذا حقيقة أن نسبة المدخنين مرتفعة بشكل خاص بين الأشخاص الذين أصيبوا بأمراض القلب، ولذلك يُعتبر تدخين السجائر عامل خطر للإصابة بأمراض القلب - ولكنه ليس بالضرورة السبب. من الممكن ألا يُصاب الشخص المدخن بأمراض القلب، وفي الوقت نفسه، قد يُصاب شخص ما بأمراض القلب حتى لو لم يدخن أبدًا.
بالإضافة إلى ذلك، لا نملك حاليًا معلومات كافية بشأن درجة التأثير المتبادل (التفاعل) بين عوامل الخطر المختلفة والوزن النسبي لكل منها، على سبيل المثال، أيها سيكون له تأثير أقوى - الطلاق المتكرر للوالدين، أو ربما الهجرة في بداية سن المراهقة؟ ربما يكون مزيجًا من هذين العاملين؟ نظرًا لأن التفسير قد يختلف من شخص لآخر، فإن النهج المتبع عادةً هو دراسة كل حالة على حدة.
على الرغم من عدم اليقين بشأن الوزن النسبي لكل عامل، فقد تم تطوير عدد من الأساليب النظرية الرئيسية، والتي سنحاول شرحها.
اضطراب الشخصية: الدمج بين عوامل الخطر
يتفق الباحثون والمعالجون عمومًا على أن اضطرابات الشخصية ترتبط بمجموعة من العوامل، بما في ذلك الاستعداد الوراثي، صعوبات التواصل الأولي بين الوالدين والطفل في مرحلة الطفولة المبكرة، التعرض لظروف صادمة في الطفولة، التعرض لتأثيرات اجتماعية واقتصادية سلبية، وغيرها. هذه بعض عوامل الخطر الرئيسية:
البيئة كعامل مُخفّف
يولد الإنسان بصفات بيولوجية محددة، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الصفات على ظهور اضطرابات الشخصية أو عدم ظهورها. مع ذلك، من المهم التأكيد على أن هذا ليس السبب الوحيد. فالمجتمع ككل، وخاصة البيئة المحيطة المباشرة كالعائلة والأصدقاء، قد تزيد من احتمالية عدم إصابة من وُلدوا بميل بيولوجي معين باضطرابات الشخصية، أو العكس – ألّا يصابوا بها. بعبارة أخرى، قد تصبح البيئة المحيطة المباشرة عاملاً مُعدِّلاً للميل الوراثي للفرد.
من المهم أن نتذكر
من المهم أن نتذكر
أن لكل واحد منا ميولاً أو سمات شخصية فطرية، ولكن يمكننا مساعدة أنفسنا ومن حولنا من خلال توجيه وتشكيل نقاط قوتهم بحيث تصبح سماتنا المميزة، دون أن تتحول إلى اضطراب في الشخصية.
أساليب العلاج والحاجة إلى الملاءمة الشخصية
تركز العلاجات المختلفة على جوانب مختلفة من اضطرابات الشخصية. فبعضها يُشدد على صعوبة تنظيم المشاعر وفهم عالم المشاعر الداخلي، بينما يُركز البعض الآخر على أنماط التفكير الجامدة التي تُنتج تحيزات فكرية تجاه الذات والبيئة المحيطة. إضافةً إلى ذلك، تُركز بعض العلاجات على جانب العلاقات الشخصية الذي يُسبب العديد من الصعوبات في اضطرابات الشخصية. على أي حال، ونظرًا لأن تكوّن اضطراب الشخصية عملية متعددة الأبعاد ومستمرة على مدى سنوات، تشمل عوامل متنوعة، فإن الاهتمام الفردي ضروري لكل شخص، بما في ذلك قصة حياته الفريدة والظروف الخاصة التي نشأ فيها. إن علاج اضطرابات الشخصية متعدد الأبعاد، وحتى لو وُجدت أدلة على فعالية العلاج وفقًا لنهج معين، فليس من الصواب تطبيقه على كل شخص يُعاني من اضطراب في الشخصية.
في كل ما يتعلق باضطرابات الشخصية، لكل حالة ظروفها الخاصة التي تتطلب نهجًا فرديًا. ورغم وجود عوامل خطر كبيرة - وراثية وبيئية - إلا أن الإصابة ليست حتمية. تُظهر الأبحاث والتجارب السريرية أنه حتى في الحالات المعقدة، توجد إمكانيات للتغيير الجذري. صحيح أن علاج اضطرابات الشخصية يمثل تحديًا كبيرًا، لكن عند اتباع نهج احترافي، شامل ومُصمم خصيصًا لكل حالة، تنفتح أمامنا آفاق النمو والتطور. في نهاية المطاف، يكمن الأمل في إدراك أن أنماط السلوك والتفكير قابلة للتغيير حتى لو ترسخت على مر السنين، مما يُتيح إمكانية التكيف الإيجابي وتحسين جودة الحياة.
إذا كنت تشك في أنك أو أحد أحبائك يعاني من اضطراب في الشخصية، فإن التواصل مع أخصائي في مجال الصحة النفسية يُعد خطوة أولى ومهمة في رحلتك نحو تحسين جودة حياتك. يمكن للمعالجين ذوي الخبرة تقديم تشخيص دقيق، دعم مُصمم خصيصًا وإرشاد مهني في عملية التأقلم والتغيير