تأقلم الأسرة مع اضطراب الشخصية
غالباً ما تنطوي حياة الشخص المصاب باضطراب الشخصية على مصاعب عاطفية، اجتماعية ومهنية وغيرها من المصاعب المستمرة. ولا تقتصر هذه المصاعب على الشخص نفسه فحسب، بل تؤثر أيضاً على علاقاته، وخاصة مع أقرب المقربين إليه. وعادةً ما يكون أفراد الأسرة المقربون أول من يشعر بهذه الصعوبات.
قد يكون العيش مع فرد من العائلة يعاني من اضطراب في الشخصية أمرًا صعبًا، بل ومرهقًا أو حتى قاسيًا في بعض الأحيان. تصف العديد من العائلات صراعًا طويل الأمد، مصحوبًا بالإحباط الناتج عن صعوبة مساعدة أحبائهم، ضعف التواصل، المراقبة المفرطة والقلق بشأن المستقبل. إضافةً إلى ذلك، تشعر بعض العائلات بالذنب تجاه الصعوبات التي يواجهها أفرادها. في الوقت نفسه، يمكن القول إنه على الرغم من التقلبات والأزمات المصاحبة للتعامل مع هذا الاضطراب، فإن العائلة في معظم الحالات تظل متماسكة طوال هذه العملية.
إذا كان هناك فرد في عائلتك يعاني من اضطراب في الشخصية، فلا شك أنك ستتفهم بعض ما ورد هنا. صحيح أن الطريق المشترك معقد وطويل، لكن من خلال المعرفة، السلوك القويم والتعاون، يُمكن التغلب عليه والحفاظ على توازن الأسرة وروتينها الجيد.
الصعوبات والتحديات الأسرية
من المهم تجنب التعميمات بشأن اضطرابات الشخصية. فهناك أنواع عديدة من هذه الاضطرابات ولكل منها خصائصها الفريدة التي تُشكّل تحديات خاصة. إضافةً إلى ذلك، يجدر الأخذ بعين الاعتبار أن لكل أسرة خصائصها المميزة. ولهذه الأسباب، لا يمكن توحيد أساليب التعامل معها.
من المعتاد تقسيم اضطرابات الشخصية إلى ثلاث مجموعات رئيسية، كل منها يطرح تحديات مختلفة على الأسرة:
- تتميز المجموعة الأولى بأنماط تفكير وسلوك تُعتبر غير مألوفة، بل وغريبة أحيانًا، أو لا تتوافق مع الحقائق والظروف. ومن بين هذه الأنماط، قد يميلون إلى تفسير الأحداث تفسيرًا متطرفًا، يُبدون شكوكًا تجاه الآخرين وغير ذلك. وقد يشعر أفراد الأسرة بالقلق والإحباط لعجزهم عن إقناع أحبائهم والتأثير في مواقفهم وقراراتهم، حتى وإن كانت لديهم تفسيرات منطقية.
- تتميز المجموعة الثانية بميلها إلى تغييرات في المزاج، وتقلباته الحادة وعدم استقراره. وقد تظهر أحيانًا ردود فعل متهورة واضطراب في العلاقات الشخصية. في هذه الحالات، قد يجد أفراد الأسرة أنفسهم في حالة اضطراب عاطفي شديد، أو قد يختارون بدلاً من ذلك الابتعاد، على أمل تقليل الاحتكاك، وهو أمر ليس بالضرورة مفيدًا على المدى الطويل.
- تتميز المجموعة الثالثة بسلوك قلق، انعدام الأمان وميل لتجنب المواقف غير المألوفة أو المشحونة عاطفياً أو تلك التي تُعتبر تهديداً. قد يشعر أفراد الأسرة بالإحباط من ردود الفعل هذه ، لأنها تبدو ظاهرياً بلا أساس حقيقي، أو بدلًا من ذلك - ينجرون إلى حماية مفرطة. قد تُعزز جهود الأسرة في اتخاذ إجراءات تهدف إلى تهدئة أحبائهم وزيادة شعورهم بالأمان، بشكل غير مباشر، التصور القلق بأن هذه المواقف تنطوي على مخاطر حقيقية وكبيرة، بينما هي في الواقع ليست كذلك. ونتيجة لذلك، تضعف القدرة على التأقلم على المدى الطويل. تجدر الإشارة إلى أنه في المواقف التي يُظهر فيها الشخص المصاب بهذا الاضطراب سلوكاً قلقاً، فإنه يشعر بذلك بالتأكيد - حتى لو لم يتوافق هذا الشعور بالضرورة مع الظروف.
ثمة نقطة أخرى مهمة تتعلق بمكانة الإخوة والأخوات. فرغم أن العلاقة الوثيقة مع الأخ أو الأخت قد تكون مصدر دعم هام، إلا أن هناك حالات يشعر فيها الإخوة والأخوات الآخرون بالإهمال وعدم المساواة في المعاملة من قبل الوالدين، وذلك بسبب الحاجة إلى بذل جهد كبير في رعاية الابن أو الابنة المصابين باضطراب الشخصية. وفي بعض الأحيان، لا يدرك الإخوة والأخوات حقيقة الأمر إلا بعد سنوات طويلة، حين يذكرون أن طبيعة الصعوبات التي واجهتها الأسرة لم تُشرح لهم بوضوح، ومع ذلك طُلب منهم مراعاة مشاعر الآخرين والتحلي بالمرونة، لدرجة التنازل عن احتياجاتهم الطبيعية، من أجل الأخ أو الأخت المصاب بالاضطراب، وأيضًا من أجل الوالدين اللذين لم يكونا متفرغين بما يكفي لهم.
ردود فعل محتملة لأفراد العائلة
تُعدّ مشاركة الأسرة عنصراً هاماً في عملية العلاج والتأهيل. وكما هو الحال مع الصعوبات، تختلف ردود فعل أفراد الأسرة أيضاً في أساليب تعاملهم معها:
تقاسم الأعباء
إن التأقلم المطول ليس بالأمر السهل وقد يشكل عبئاً كبيراً، لذلك تقوم العديد من العائلات بتقسيم العبء بين أفراد الأسرة، بدافع الرغبة في الحفاظ على القوة مع مرور الوقت.
الابتعاد
في بعض الحالات، يشعر بعض أفراد الأسرة بالإحباط والإرهاق، بل وحتى الغضب أمام هذا الواقع المعقد. وللتأقلم مع هذه الصعوبة، يميلون إلى الابتعاد، حتى يصل الأمر في الحالات القصوى إلى الانقطاع التام.
الاتهامات المتبادلة
في غياب أي تفسير آخر للوضع، قد تنشأ أحيانًا اتهامات متبادلة داخل الأسرة. وللأسف، عادةً ما تُضعف هذه العمليات قدرة الأسرة على التماسك كوحدة واحدة.
نصائح للتأقلم الأسري بشكل فعال
-
1اكتساب المعرفة حول الاضطراب
كلما تم التشخيص مبكرًا، قلّ الإرهاق الذي تعانيه الأسرة عند التعامل مع المواقف غير المتوقعة. ففي بعض الأحيان، لا تُفهم هذه المواقف بشكل كافٍ، ولا يمكن دائمًا حلها باستخدام الأدوات المعتادة المتاحة للأسرة. لهذا السبب، من المهم، بالتزامن مع تشخيص أحد أفراد الأسرة، أن يكتسب باقي أفراد الأسرة معرفة وفهمًا أساسيين حول الاضطراب وأعراضه المصاحبة. تتيح هذه الخطوة تنسيق التوقعات، توجيه الجهود نحو المجالات التي تتطلب تدخلًا، والاستعداد للمواقف المعروفة بميلها إلى الأزمات، مثل: الانتقال إلى مكان إقامة جديد، تغيير الوظيفة وما إلى ذلك.
-
2الاستعداد للحظات الأزمات
على الرغم من أن الأزمات قد تحدث فجأة، إلا أن هناك ظروفًا مُعرّضة للكوارث يمكن التنبؤ بها مسبقًا. لذا، من المهم بذل جهد لوضع "خطة للتأقلم" يشارك فيها الأشخاص الذين يعانون من الاضطراب، أفراد أسرهم وأحيانًا الفريق الطبي المُختص بالعلاج. تتضمن الخطة التطرق إلى الإجراءات الضرورية التي يجب اتباعها أثناء الأزمة، والجهات التي يمكن اللجوء إليها. إن وضع هذه الخطة والتحضير لها في وقت هادئ يزيد من احتمالية موافقة جميع الأطراف عليها، وإمكانية تنفيذها والمضي قدمًا. إضافةً إلى ذلك، من المهم الإشارة إلى أن وجود هذا النوع من الخطط يُوفر شعورًا بالثقة والأمان لجميع أفراد الأسرة.
-
3الحفاظ على التواصل المفتوح
: من المرجح أن ينطوي التأقلم لفترة طويلة على تقلبات وأزمات. ومن أهم طرق التعامل مع هذه المواقف الحفاظ على التواصل المفتوح داخل الأسرة، بما في ذلك تنمية القدرة على الإصغاء إلى بعضنا البعض دون إصدار أحكام أو توجيه اتهامات متبادلة، والقدرة على مشاركة المشاعر والأحاسيس بصدق، إلى جانب قدر كبير من التعاطف.
-
4الرعاية الذاتية في ظلّ واقع الأسرة
: هذا صراعٌ طويل الأمد، ولذا من المطلوب إدراك ضرورة احترام احتياجات جميع أفراد الأسرة. إضافةً إلى ذلك، من المهم مراعاة القيود العاطفية، المالية وغيرها، والحدود التي يفرضها واقع الأسرة. الهدف الأساسي هو السعي لتحقيق التوازن: فإذا قامت الأسرة بتقديم تضحيات فقط دون التفكير في العواقب والحفاظ على نفسها، فهناك خطرٌ كبيرٌ من أن تقع هي نفسها في ضائقةٍ وإرهاقٍ متسارع، لدرجةٍ تعجز معها عن مساعدة الشخص المصاب باضطراب الشخصية.
-
5الحفاظ على نمط حياة صحي
من المُحبذ للغاية أن تحافظ الأسرة التي تواجه صعوبات على مدى فترة طويلة، قدر الإمكان، على مسار حياتها وروتينها اليومي، مثل: العمل، الدراسة، الدورات، العلاقات الاجتماعية، الهوايات، بالإضافة إلى الإجازات لتجديد النشاط. هذه الأنشطة قيّمة في حد ذاتها، كما أنها تُعدّ مصدرًا للراحة وتجديد الطاقة لمواصلة التأقلم.
-
6الدعم والمساعدة من المختصين
قد تُصاحب الأسرة مشاعر الخجل أو الخوف من النقد أو الرفض مما يؤدي إلى الانطواء والعزلة، بالتالي تجنُّب الدعم الضروري. من المهم جدًا محاولة إزالة حواجز الخجل، الذنب والوصم، والنظر في إمكانية مشاركة الصعوبات مع أحد المقربين. وكما يلجأ المرء إلى طلب المساعدة الطبية عند التعرض لأي مشكلة صحية أخرى، فمن المهم أيضًا في حالة الضيق النفسي طلب الإرشاد من الأخصائيين، بل وحتى العلاج النفسي أو الدوائي. إن الاستعداد لطلب المساعدة ليست خطوة مشروعة لك كفرد من أفراد الأسرة فحسب، بل هي أيضًا وسيلة لمساعدة الشخص الذي يُعاني من اضطراب الشخصية، وذلك من خلال تقديم مثال يُحتذى به في إدراك الصعوبة والتعامل معها بفعالية.
التعامل مع اضطراب الشخصية يؤثر على الأسرة بأكملها، وليس على الشخص المصاب فقط. وجود الوصمات الاجتماعية ومشاعر الذنب قد يؤدي إلى عزلة أسرية، إحباط، خجل وصعوبة في الحصول على الدعم والمساعدة. من أجل التعامل بفعالية، من المهم طلب الدعم من الأصدقاء والأقارب، التواصل مع أسر أخرى في ظروف مماثلة، وعدم التردد في طلب المساعدة من الأخصائيين. من الجدير بالذكر أن التعامل مع هذا الاضطراب هو عملية طويلة، تتخللها فترات من التحسن والتراجع، فترات من الاستقرار وفترات من الأزمات. لذا، من المهم تبني نهج واقعي وإدراك تعقيد الموقف، مما سيمكن من تعزيز علاج وإعادة تأهيل فرد الأسرة وتحقيق نتائج إيجابية مع مرور الوقت.