الجوانب العاطفية والنفسية لعلاجات الخصوبة
تتصدر دولة اسرائيل دول العالم في نسبة علاجات الخصوبة بالنسبة لعدد السكان، كما تعتمد سياسة تدعم رغبة النساء في أن يصبحن أمهات، بما في ذلك تمويل علاجات الخصوبة حتى سن 45 عامًا. لكن لعلاجات الخصوبة ثمن أيضًا؛ فهي تضع العديد من النساء أمام رحلة مليئة بالتحديات الجسدية والنفسية. فكل امرأة تُعتبر عالمًا قائمًا بحد ذاته، وتتأثر استجابتها العاطفية لعمليات الخصوبة، كما لأي تجربة أخرى في الحياة، بمجموعة متنوعة من العوامل الشخصية والبيئية. وتختلف النساء في طريقة استجابتهن، إذ يوجد نطاق واسع جدًا من ردود الفعل العاطفية المختلفة.
قبل بدء العلاجات
قد تبدأ الصعوبات العاطفية في رحلة الخصوبة مع تجربة الفشل في الحمل بشكل طبيعي، ومع خيبات الأمل المتكررة. إن إدراك المرأة بأنها تحتاج إلى مساعدة طبية من أجل تحقيق الحمل وتحقيق رغبتها الطبيعية في أن تصبح أمًا، قد يثير لديها مشاعر الضعف والإحساس بالاختلاف.
وقد تؤدي هذه المشاعر إلى الإخفاء وتجنب مشاركة المحيط القريب بما تمرّ به، الأمر الذي قد يسبب شعورًا بالوحدة ويزيد من الإحساس بالاختلاف. عندما تواجه المرأة صعوبة في الحمل بشكل طبيعي، يبدأ عادةً إجراء فحوصات لمعرفة سبب هذه الصعوبة. ويتضمن هذا الفحص العديد من الإجراءات التي تستهلك الوقت وتتطلب جهودًا لتنسيق مواعيد مرتبطة بأوقات محددة من الدورة الشهرية. وقد تكون هذه الفحوصات تخترق الخصوصية الجسدية وغير مريحة، وأحيانًا تتطلب انكشافًا متكررًا قد يكون مزعجًا، مما قد يزيد لدى المرأة من شعور الاختلاف والضعف.
تقلبات عاطفية: بين اليأس والأمل
تتميّز المواجهة العاطفية خلال علاجات الخصوبة بتقلبات حادة بين الصعود والهبوط. ويتولى أطباء النسائية المختصون بالخصوبة إدارة علاجات الخصوبة بهدف تحقيق الحمل المطلوب. وغالبًا، ووفقًا للظروف الخاصة بكل حالة، تُدار العلاجات بشكل تدريجي — بدءًا من تدخلات بسيطة، مثل جرعات الهرمونات التي تُعطى ضمن بروتوكول العلاج. وقد تتغير هذه التدخلات بحسب استجابة المرأة. فالنساء يختلفن في درجة الحساسية للهرمونات، وقد تظهر لديهن ردود فعل جسدية وعاطفية مختلفة تجاهها. وبشكل عام، فإن النساء الحساسات للتغيرات الهرمونية، مثل النساء اللواتي يعانين متلازمة ما قبل الحيض، أو اللواتي يختبرن تغيرات عاطفية عند تناول حبوب منع الحمل، قد يكنّ أكثر حساسية للهرمونات التي تُعطى خلال علاجات الخصوبة.
وقد تسبب هذه الهرمونات اضطرابات في النوم، أو مزاجًا منخفضًا قد يصل إلى الاكتئاب، أو العصبية، أو الشعور بعدم الهدوء. ومن المهم إبلاغ طبيب أو طبيبة النساء المعالِجة بهذه الأعراض، لأن هناك العديد من البدائل الممكنة. فمن المحتمل جدًا أن يؤدي دواء آخر أو جرعة مختلفة إلى تأثير مختلف — جسديًا ونفسيًا.
إضافة إلى التدخلات الهرمونية، فإن الإجراءات الطبية والفحوصات الكثيرة، التي تتطلب التغيب عن العمل وإرباك الروتين اليومي للمرأة، قد تزعزع لدى بعض النساء الشعور بالثقة بالنفس، وتؤدي بالتالي إلى مشاعر عاطفية سلبية.
وعلى عكس التصور الشائع بأن علاجات الخصوبة يجب أن تضمن نجاحًا سريعًا، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فالتوقع بنجاح فوري للعلاج، خصوصًا في دورات أطفال الأنابيب (IVF) التي يُبذل فيها جهد كبير لتحقيق النجاح، يتحول في كثير من الأحيان إلى خيبة أمل قاسية عند تلقي نتيجة سلبية للحمل. إضافة إلى التدخلات الهرمونية، فإن الإجراءات الطبية والفحوصات الكثيرة، التي تتطلب التغيب عن العمل وإرباك الروتين اليومي للمرأة، قد تزعزع لدى بعض النساء الشعور بالثقة بالنفس، وتؤدي بالتالي إلى مشاعر عاطفية سلبية.
ومع استمرار العلاجات، تتحول دائرة الأمل وخيبة الأمل إلى روتين مُرهق ومزعزع نفسيًا. وخلال هذه الرحلة قد تواجه النساء أيضًا “حالات حمل شبه مكتملة”، مثل الحمل الكيميائي، أو حالات الحمل التي تنتهي بإجهاض مبكر، وغيرها.
من المهم أن نعرف
من المهم أن نعرف
بينما تصل نسب الحمل الطبيعي لدى الأزواج الذين لا يعانون من مشاكل خصوبة إلى نحو %80 خلال سنة، فإن فرصة الحمل في كل دورة من علاجات الخصوبة تتراوح فقط بين %20 الى- %25 ومعظم النساء اللواتي يخضعن لهذه العلاجات، وكذلك المقرّبون منهن، يمرّون بتقلبات عاطفية حادة: بدء العلاج، وتناول الهرمونات، والفحوصات المتكررة، والإجراءات الطبية (سحب البويضات وإرجاع الأجنة)، ثم التوقعات وخيبات الأمل، وهكذا بشكل متكرر. وكل دورة علاجية ترفع خطر ظهور أعراض عاطفية، وخصوصًا الاكتئاب والقلق، كما تزعزع الشعور بالثقة بالنفس والقدرة على المواجهة. ومن المهم التذكير بأن الدورة العلاجية التي تنتهي دون حمل أو ولادة لا تدل على فرص النجاح في الدورة التالية.
في إسرائيل، وهي مجتمع يشجّع الإنجاب، تتفاقم التحديات العاطفية. فقد يكون اللقاء مع صديقات حوامل أو مع نساء لديهن أطفال رُضّع مؤلمًا، كما أن الحاجة إلى مواجهة الأسئلة المتعلقة بالرغبة في إنجاب الأطفال تثير أحيانًا صعوبة كبيرة. وتختار كثير من النساء تجنّب اللقاءات الاجتماعية وتقليص نشاطاتهن، الأمر الذي يزيد من الشعور بالوحدة والاختلاف. كما أن هذه السلوكيات تُضخّم الإحساس بالنقص أو الغياب. والنساء اللواتي لا يشاركن ما يمررن به بسبب الخجل، أو الشعور بالنقص، أو عدم الارتياح، يشعرن بعزلة أكبر أثناء مواجهة التحديات النفسية.
توترات في العلاقة الزوجية
قد تؤدي عمليات الخصوبة إلى توترات كبيرة داخل العلاقة الزوجية. كما أن توقيت العلاقة الجنسية حول مواعيد الإباضة أو العلاجات يضيف طبقة إضافية من الضغط. فالعلاقة الجنسية، التي كانت في السابق حميمة وعفوية، تتحول في كثير من الأحيان إلى أمر ميكانيكي وتقني، وأحيانًا إلى أمر “علني” إلى حدّ ما أو خالٍ من الألفة، لأنها تتم في المختبر بدلًا من السرير. وأحيانًا تظهر بين الزوجين اتهامات ذاتية ومتبادلة ناتجة عن مشكلة خصوبة لدى الرجل أو المرأة، وقد تؤدي هذه الاتهامات إلى تآكل العلاقة بينهما. كما تشعر كثير من النساء بالإحباط عندما يشعرن بأن العبء الأكبر للعلاجات يقع عليهن.
تحديات إضافية في العلاقة الزوجية خلال علاجات الخصوبة:
خلافات
خلافات حول إمكانية التبرع بالحيوانات المنوية أو البويضات، أو اللجوء إلى الحمل البديل، بما يحمله ذلك من تعقيدات وتكاليف كبيرة.
فروقات
فروقات في مدى الرغبة في أن يصبح الشخص والدًا أو في الاستعداد لاستثمار الوقت والمال في الفحوصات.
عدم اتفاق
عدم اتفاق حول نقاط اتخاذ القرار المختلفة.
كل هذه الأمور تضع العلاقة الزوجية أمام اختبار صعب. فأحيانًا يقول أحد الزوجين للآخر، انطلاقًا من مشاعر الذنب تجاه الشريك الذي يرغب بشدة في أن يصبح والدًا، ومن الشعور بأن هذه العلاقة الزوجية بالذات وصعوبات الخصوبة تعيق تحقيق هذا الرغبة: "اتركني، وابحث/ابحثي عن شخص آخر".
تحديات خاصة بالأمومة الأحادية
النساء اللواتي يخترن الأمومة الأحادية من خلال علاجات الخصوبة يواجهن مجموعة مختلفة من التحديات. فإلى جانب خيبة الأمل والشعور بالفشل بسبب عدم إيجاد شريك حياة، تظهر أيضًا مخاوف تتعلق بتربية الطفل بمفردهن، والتعامل مع مسألة الأب، وتحمل المسؤولية الكاملة وحدهن. إن مجرد اتخاذ قرار الخضوع لعلاجات الخصوبة يكون أكثر تعقيدًا بالنسبة لهن، لأنهن يمررن بهذه العلاجات دون وجود شريك أو شريكة يرافقهن في كل مرحلة. أما التعامل مع علاجات الخصوبة نفسها فهو مشابه لتجربة النساء اللواتي يعشن ضمن علاقة زوجية، باستثناء أن المرأة تضطر إلى مواجهة كل شيء بقواها الذاتية. وتكون التجربة العامة معقدة لأنها تشمل معاني الأمومة الأحادية وتربية طفل بمفردها، وليس فقط العلاجات بحد ذاتها. وقد يساعد وجود أنظمة دعم بديلة، مثل الوالدين، الأخوات والصديقات، في التخفيف من غياب الشريك أو الشريكة. وحتى بعد حدوث الحمل، قد تظهر مخاوف وهواجس تتعلق بتربية الطفل بمفردها.
أدوات فعّالة لاجتياز علاجات الخصوبة عاطفيًا
النساء اللواتي يتعاملن مع اضطرابات نفسية قائمة
النساء اللواتي يعانين من اضطرابات نفسية حتى قبل الدخول في علاجات الخصوبة، مثل اضطرابات الأكل، أو القلق، أو الاكتئاب، يكنّ أكثر عرضة لمواجهة صعوبات نفسية خلال علاجات الخصوبة. وبعضهن يوقفن الأدوية من تلقاء أنفسهن، مما يؤدي إلى تراجع قدرتهن على التعامل مع الاضطراب النفسي وتفاقم حالتهن. لهؤلاء النساء، من المهم بشكل خاص أن يكنّ في حالة نفسية مستقرة ومتوازنة، مع استشارة الجهات العلاجية التي تتابع حالتهن، مثل الطبيب أو الطبيبة، والطبيب أو الطبيبة النفسي/ة، والأخصائي أو الأخصائية النفسية.
إن رحلة الوصول إلى الأمومة من خلال علاجات الخصوبة تُعد رحلة مليئة بالتحديات العاطفية، وتتطلب صمودًا نفسيًا ودعمًا. ولذلك، فإن الاعتراف بالتعقيد العاطفي وتوفير أدوات للتعامل معه يُعتبران أمرين أساسيين بالنسبة للنساء والأزواج الذين يمرّون بهذه العملية.