نوبات الغضب (Tantrum) لدى الأطفال
هناك لحظات في رحلة الأبوة والأمومة يصعب الاستعداد لها، حتى لو كنا نعلم أنها قد تحدث، ولا يوجد والد أو والدة بمنأى عنها: طفل يستلقي على أرضية السوبرماركت ويصرخ بأعلى صوته، أو يرمي ألعابه في كل اتجاه، أو يتلوى ويبكي بطريقة يصعب تهدئتها .في تلك اللحظات، يشعر معظم الآباء والأمهات بمزيج من المشاعر في آنٍ واحد، مثل الإحباط، والحرج، والقلق، والعجز، والشعور بالذنب، والإرهاق، وأحيانًا الغضب، وهذا أمر طبيعي ومفهوم تمامًا.
لقد مرّ معظم الآباء والأمهات مرة واحدة على الأقل بشعور أنهم يفعلون شيئًا بطريقة خاطئة، أو أن طفلهم يختلف عن بقية الأطفال. لكن الحقيقة هي أن نوبات الغضب تُعد من أكثر الظواهر شيوعًا وطبيعية في نمو الأطفال، وغالبًا ما تختفي تدريجيًا مع التقدم في العمر.
ما هي نوبة الغضب (Tantrum)؟
نوبة الغضب، المعروفة أيضًا باسم Tantrum، هي انفجار شديد من المشاعر لا يستطيع الطفل أو الطفلة السيطرة عليه في تلك اللحظة. وقد تظهر على شكل بكاء، أو صراخ، أو استلقاء على الأرض، أو ركل، أو عضّ، أو رمي الأشياء، أو رفض التعاون، أو أي مزيج من هذه السلوكيات. وفي بعض الأحيان، تحدث نوبة الغضب بشكل مفاجئ ومن دون أي إنذار مسبق، وبشدة قد تفاجئ حتى أكثر الآباء والأمهات خبرة.
تظهر هذه الظاهرة غالبًا بين عمر سنة ونصف وحتى أربع سنوات، وتكون أكثر شيوعًا حول عمر السنتين إلى ثلاث سنوات. كما أنها تحدث لدى الأولاد والبنات بنفس المعدل.
وعلى الرغم من أن نوبات الغضب تُعد أكثر شيوعًا في مرحلة الطفولة المبكرة، فإنها قد تظهر أيضًا في أعمار أكبر، خاصة خلال فترات التغيير، أو التعب، أو الضغط النفسي، أو عند وجود صعوبات لغوية، أو صعوبات في تنظيم المدخلات الحسية، أو في المواقف التي لا يزال فيها الطفل أو الطفلة يتعلمان كيفية التعامل مع الحدود والقواعد.
فيض المشاعر وصعوبة التوقف
أثناء نوبة الغضب، لا يكون الطفل أو الطفلة في كثير من الأحيان مستعدين للاستماع إلى الشرح، ولا يستطيعان استيعاب المنطق أو الهدوء بسهولة. ومن الخارج قد يبدو الأمر وكأنه تمرد، أو محاولة للتلاعب، أو حتى هجوم شخصي. لكن في الواقع، يكون الأمر في معظم الأحيان ناتجًا عن فيض من المشاعر القوية، حالة من التوتر الجسدي، صعوبة في التوقف وعدم القدرة على التفكير بمنطق، أو التعبير عن المشاعر بالكلمات.
ويعود تفسير نوبات الغضب إلى تطور دماغ الطفل في هذه المرحلة العمرية؛ فالفص الجبهي، وهو الجزء المسؤول عن تنظيم المشاعر وضبط الاندفاعات، لا يكون قد اكتمل نضجه بعد. وهذا يعني أنه عندما يغمر الطفل شعور قوي، فإنه لا يمتلك بعد القدرة أو الأدوات الكافية للتوقف، والتفكير بطريقة منطقية، والتصرف "بطريقة مقبولة اجتماعيًا"، حتى لو كان يرغب في ذلك.
إضافة إلى ذلك، يسعى الأطفال الصغار إلى الاستقلالية والسيطرة على بيئتهم أكثر مما تسمح به قدراتهم الفعلية. لذلك، قد يصطدم رغبتهم في القيام بكل شيء بأنفسهم أو اتخاذ القرارات بمفردهم بالحدود الطبيعية للواقع، مما قد يؤدي إلى حدوث نوبة غضب.
وفي كثير من الحالات، توجد عوامل أخرى قد تزيد من شدة النوبة، مثل التعب، أو الجوع، أو التغيير المفاجئ في الروتين اليومي، أو الانتقال بين الأنشطة، أو كثرة المثيرات، أو الإحباط، أو الملل.
في معظم الحالات، ومع تقدم الطفل أو الطفلة في النمو، وتحسن قدرتهما على الكلام والتعبير عن مشاعرهما واحتياجاتهما بالكلمات، تبدأ نوبات الغضب بالتراجع تدريجيًا وتصبح أقل تكرارًا.
ماذا تفعل في لحظة نوبة الغضب؟
- الحفاظ على الهدوء قدر الإمكان: قد لا يكون ذلك سهلًا دائمًا، لكن هدوء الوالدين يُعد من أهم العوامل التي تساعد على تقصير مدة نوبة الغضب. فالأطفال يتأثرون بحالة والديهم، وتصاعد التوتر من الطرفين لا يؤدي إلا إلى إطالة النوبة.
- الحفاظ على السلامة: احرص على التأكد من أن الطفل أو الطفلة في مكان آمن، وأبعد الأشياء التي قد تسبب الأذى، أو انقل الطفل إلى مكان أكثر أمانًا إذا لزم الأمر.
- تجنب النقاش أثناء ذروة النوبة: في أشد مراحل نوبة الغضب، لا يكون من المفيد عادةً محاولة الإقناع أو الشرح أو مطالبة الطفل بشيء. من الأفضل تأجيل الحوار إلى ما بعد هدوء الطفل، والاكتفاء في تلك اللحظة بالحضور الهادئ دون كثرة الكلام.
- استخدام عبارات قصيرة تعبر عن التفهم: مثل: "أرى أنك منزعج جدًا، ومن الطبيعي أن تشعر بالغضب." فهذه العبارات لا تعني الاستجابة لمطالب الطفل، لكنها تعترف بمشاعره دون تبرير سلوكه. وغالبًا ما يهدأ الأطفال بشكل أسرع عندما يشعرون بأن مشاعرهم مفهومة.
- محاولة تشتيت الانتباه: لدى الأطفال الأصغر سنًا، قد يساعد تغيير المشهد بشكل مفاجئ، مثل الانتقال إلى غرفة أخرى أو اقتراح لعبة مختلفة، في تقصير مدة نوبة الغضب.
- الحفاظ على الحدود التربوية: إذا بدأت نوبة الغضب لأنك قلت للطفل أو الطفلة "لا"، فمن المهم التمسك بالحدود وعدم التراجع. فالاستسلام للصراخ يعلم الطفل أن هذه الطريقة تحقق له ما يريد، مما يزيد من احتمال تكرار هذا السلوك في المستقبل.
- الصراخ، التهديد أو الإهانة: هذه التصرفات لا تؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتفاقم الموقف.
- إشعار الطفل بالخجل أو انتقاده: عبارات مثل: "أنتِ تتصرفين كطفلة صغيرة" أو "توقف فورًا"، رغم أنها قد تبدو مفهومة في تلك اللحظة، فإنها غالبًا لا تساعد، وقد تزيد من شدة نوبة الغضب.
- الاستجابة لطلب الطفل فقط لإيقاف البكاء: حتى لو بدا ذلك أسهل حل في تلك اللحظة، فإنه قد يكون خطأً؛ إذ يتعلم الطفل أو الطفلة أن الصراخ أو نوبة الغضب وسيلة فعّالة للحصول على ما يريد.
- تقديم شروحات طويلة أثناء النوبة: عندما تسيطر المشاعر، لا يكون دماغ الطفل مستعدًا لاستيعاب الشرح أو المنطق. لذلك، من الأفضل تأجيل الحديث إلى ما بعد هدوء الطفل واستعادة قدرته على الإصغاء.
ماذا يمكن فعله بين نوبات الغضب؟ استراتيجيات طويلة المدى
الوالدان هم أيضًا بشر
في لحظة نوبة الغضب، وخاصة عندما تحدث في مكان عام، لا يكون الطفل أو الطفلة وحدهما من يشعران بالارتباك والانفعال، بل قد يشعر الوالدان أيضًا بالإرهاق العاطفي. وهذا أمر طبيعي. فقد تتراكم مشاعر التعب، والضغط، والحرج من نظرات الآخرين، أو الإحساس بضرورة "إثبات" القدرة على السيطرة على الموقف.
ليس من الضروري أن تكون ردة الفعل مثالية في كل مرة. فإذا رفعت صوتك، أو فقدت صبرك، أو ارتبكت، أو تصرفت بطريقة مختلفة عما كنت تتمناه، فلا يزال بإمكانك تصحيح الأمر. فبعد أن تهدأ الأجواء، يمكنك أن تقول ببساطة:"كان الأمر صعبًا بالنسبة لي قبل قليل، ولذلك رفعت صوتي. في المرة القادمة سأحاول أن أتحدث بهدوء أكثر." وهذا بحد ذاته درس مهم للطفل: من الطبيعي أن نخطئ، ويمكننا أن نصحح أخطاءنا، ونعتذر، ثم نمضي قدمًا.
من المهم أن تتذكروا
من المهم أن تتذكروا
: إذا شعرتم بأنكم على وشك فقدان السيطرة أو بلغتم حدًّا يصعب معه التعامل بهدوء، فهذا هو الوقت المناسب لطلب المساعدة، الابتعاد للحظات لأخذ نفس عميق، التحدث مع شخص تثقون به أو منح أنفسكم استراحة قصيرة.
متى ينبغي الانتباه وطلب المساعدة المهنية؟
في معظم الحالات، تقل نوبات الغضب مع التقدم في العمر، مع تطور اللغة واكتساب الطفل مهارات تنظيم المشاعر. ومع ذلك، هناك حالات يُنصح فيها باستشارة أحد المختصين.
ينبغي الانتباه بشكل خاص إذا كانت نوبات الغضب:
- متكررة: تحدث مرات عديدة خلال اليوم أو بتكرار يؤثر في سير الحياة اليومية داخل المنزل.
- طويلة الأمد: تستمر لفترة طويلة جدًا أو يكون من الصعب إنهاؤها وتهدئة الطفل.
- مصحوبة بإيذاء: تتضمن إيذاء الطفل لنفسه، أو إيذاء الآخرين، أو تكرار إتلاف الممتلكات.
- غير متناسبة مع العمر: تستمر بشدة كبيرة بعد العمر الذي يُتوقع فيه عادةً أن تبدأ نوبات الغضب بالتراجع.
- مصحوبة بصعوبات أخرى: ترافقها مشكلات ملحوظة في اللغة، التواصل، النوم، الأكل أو التكيف مع الإطار التعليمي أو بناء العلاقات مع الأطفال الآخرين.
- التجنّب: تؤدي إلى تجنّب الوالدين للأنشطة اليومية خوفًا من حدوث نوبة غضب.
ليست كل نوبة غضب غير اعتيادية تستدعي إجراء تقييم أو فحص، ولكن إذا كان هناك شعور بأن نوبات الغضب أصبحت تسيطر على الحياة اليومية، أو تزداد سوءًا، أو تسبب ضائقة كبيرة في المنزل أو في الإطار التعليمي، فمن المستحسن طلب الاستشارة والحصول على التوجيه المناسب.
يمكن التوجه إلى طبيب أو طبيبة الأطفال، أو ممرضة رعاية الأم والطفل، أو إلى أحد المختصين في المؤسسة التعليمية للحصول على الدعم والإرشاد.
طلب المساعدة لا يعني أنك فشلت. ففي بعض الأحيان، يمكن لبضع جلسات استشارية، أو إرشاد الوالدين، أو تقييم للنمو والتطور، أن يوفر الكثير من الوضوح ويمنح الأسرة أدوات عملية للتعامل مع الموقف.
في حال وجود خطر فوري يتمثل في إيذاء الطفل لنفسه، أو إيذاء الآخرين، أو إذا تعذر الحفاظ على سلامة الطفل أو الطفلة، فمن الضروري التوجه فورًا للحصول على رعاية طبية عاجلة أو التواصل مع خدمات الطوارئ.
إجابات عن الأسئلة الشائعة
إنها مرحلة يمكن تجاوزها
قد تبدو نوبة الغضب لحظة كبيرة جدًا، وأحيانًا أكبر مما يمكن تحمله. لكنها، في معظم الحالات، تشكل جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم والنمو. فالطفل أو الطفلة يتعلمان كيف يشعران، يطلبان ما يريدان، ينتظران، يتعاملان مع خيبة الأمل ويهدآن تدريجيًا.
وفي المقابل، يتعلم الوالدان ما الذي يساعد طفلهما، وما الذي لا يجدي نفعًا، وكيف يحافظان على الحدود التربوية دون أن يفقدا العلاقة الدافئة معه. لا يحتاج الوالدان إلى أن يكونا مثاليين، بل إلى التحلي بالثبات، والهدوء، ومعرفة الوقت المناسب لتصحيح السلوك، مع الاستمرار في تقديم الحب والدعم. ومع مرور الوقت، ومع تطور اللغة، واستقرار الروتين اليومي، واكتساب مهارات مناسبة للتعامل مع المشاعر، يتمكن معظم الأطفال من مواجهة هذه المواقف بشكل أفضل، ويصبح الجو في المنزل أكثر هدوءًا وراحة للجميع.